ولقد نرى أن الكثيرين من الناس لا قانتين لله ولا عابدين . ولكن هذا التقرير إنما يعني خضوع كل من في السماوات والأرض لإرادة الله ومشيئته التي تصرفهم وفق السنة المرسومة التي لا تتخلف ولا تحيد . فهم محكومون بهذه السنة ولو كانوا عصاة كافرين . إنما تعصى عقولهم وتكفر قلوبهم ولكنهم مع هذا محكومون بالناموس مأخوذون بالسنة , يتصرف فيهم خالقهم وفق ما يريد تصرفه بباقي العبيد وهم لا يملكون إلا الخضوع والقنوت .
ثم يختم تلك الجولة الضخمة الهائلة اللطيفة العميقة بتقرير قضية البعث والقيامة التي يغفل عنها الغافلون:
(وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده - وهو أهون عليه - وله المثل الأعلى في السماوات والأرض , وهو العزيز الحكيم). .
وقد سبق في السورة تقرير البدء والإعادة , وهو يعاد هنا بعد تلك الجولة العريضة ويضاف إليه جديد: (وهو أهون عليه). . وليس شيء أهون على الله ولا أصعب .(إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له:كن . فيكون)ولكنه إنما يخاطب الناس بحسب إدراكهم , ففي تقدير الناس أن بدء الخلق أصعب من إعادته , فما بالهم يرون الإعادة عسيرة على الله . وهي في طبيعتها أهون وأيسر ?!
(وله المثل الأعلى في السماوات والأرض). . فهو سبحانه ينفرد في السماوات والأرض بصفاته لا يشاركه فيها أحد , وليس كمثله شيء , إنما هو الفرد الصمد .
(وهو العزيز الحكيم). . العزيز القاهر الذي يفعل ما يريد . الحكيم الذي يدبر الخلق بإحكام وتقدير .
الدرس السادس:28 - 29 ضرب مثل على نفي الشركاء لله
وعندما تنتهي تلك الجولة التي طوف فيها القلب البشري بتلك الآفاق والآماد , والأعماق والأغوار , والظواهر والأحوال , يواجهه سياق السورة بإيقاع جديد:
ضرب لكم مثلا من أنفسكم:هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم . فأنتم فيه سواء , تخافونهم كخيفتكم أنفسكم ? كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون . .
ضرب هذا المثل لمن كانوا يتخذون من دون الله شركاء خلقا من خلقه:جنا أو ملائكة أو أصناما وأشجارا . وهم لا يرتضون أن يشاركهم مواليهم في شيء مما تحت أيديهم من مال . ولا يسوون عبيدهم بأنفسهم في شيء من الاعتبار . فيبدو أمرهم عجبا . يجعلون لله شركاء من عبيده وهو الخالق الرازق وحده . و يأنفون أن يجعلوا لأنفسهم من عبيدهم شركاء في مالهم . ومالهم ليس من خلقهم إنما هو من رزق الله . وهو تناقض عجيب في التصور والتقدير .
وهو يفصل لهم هذا المثل خطوة خطوة: (ضرب لكم مثلا من أنفسكم)ليس بعيدا عنكم ولا يحتاج إلى رحلة أو نقلة لملاحظته وتدبره . . (هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء ?). . وهم لا يرضون أن يشاركهم ما ملكت أيمانهم في شيء من الرزق فضلا على أن يساووهم فيه (تخافونهم كخيفتكم أنفسكم). . أي تحسبون حسابهم معكم كما تحسبون حساب الشركاء الأحرار , وتخشون أن يجوروا عليكم , وتتحرجوا كذلك من الجور عليهم , لأنهم أكفاء لكم وأنداد ? هل يقع شيء من هذا في محيطكم القريب وشأنكم الخاص ? وإذا لم يكن شيء من هذا يقع فكيف ترضونه في حق الله وله المثل الأعلى ?
وهو مثل واضح بسيط حاسم لا مجال للجدل فيه , وهو يرتكن إلى المنطق البسيط وإلى العقل المستقيم: (كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون). .