ولا يسير وفق المصادفة العمياء , ولا وفق الهوى المتقلب , إنما يمضي في نظامه الدقيق المحكم المقدر تقديرا . وأن من مقتضيات هذا الحق الذي يقوم عليه الوجود أن تكون هناك آخرة , يتم فيها الجزاء على العمل , ويلقى الخير والشر عاقبتهما كاملة . إنما كل شيء إلى أجله المرسوم . وفق الحكمة المدبرة ; وكل أمر يجيء في موعده لا يستقدم لحظة ولا يستأخر . وإذا لم يعلم البشر متى تكون الساعة , فإن هذا ليس معناه أنها لا تكون ! ولكن تأجيلها يغري الذين لا يعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا ويخدعهم: (وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون). . الدرس الثالث:9 - 10 توجيه الكفار إلى مصارع السابقين الأقوى منهم
ومن هذه الجولة في ضمير السماوات والأرض وما بينهما . وهي جولة بعيدة الآماد والآفاق في هيكل الكون الهائل , وفي محتوياته المنوعة , الشاملة للأحياء والأشياء , والأفلاك والأجرام , والنجوم والكواكب , والجليل والصغير , والخافي والظاهر , والمعلوم والمجهول . . . من هذه الجولة البعيدة في ضمير الكون ينقلهم إلى جولة أخرى في ضمير الزمان , وأبعاد التاريخ , يرون فيها طرفا من سنة الله الجارية , التي لا تتخلف مرة ولا تحيد:
أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم , كانوا أشد منهم قوة ; وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها ; وجاءتهم رسلهم بالبينات , فما كان الله ليظلمهم , ولكن كانوا أنفسهم يظلمون . ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى , أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون . .
وهي دعوة إلى التأمل في مصائر الغابرين ; وهم ناس من الناس , وخلق من خلق الله , تكشف مصائرهم الماضية عن مصائر خلفائهم الآتية . فسنة الله هي سنة الله في الجميع . وسنة الله حق ثابت يقوم عليه هذا الوجود , بلا محاباة لجيل من الناس , ولا هوى يتقلب فتتقلب معه العواقب . حاشا لله رب العالمين !
وهي دعوة إلى إدراك حقيقة هذه الحياة وروابطها على مدار الزمان , وحقيقة هذه الإنسانية الموحدة المنشأ والمصير على مدار القرون . كي لا ينعزل جيل من الناس بنفسه وحياته , وقيمه وتصوراته , ويغفل عن الصلة الوثيقة بين أجيال البشر جميعا , وعن وحدة السنة التي تحكم هذه الأجيال جميعا ; ووحدة القيم الثابتة في حياة الأجيال جميعا .
فهؤلاء أقوام عاشوا قبل جيل المشركين في مكة (كانوا أشد منهم قوة). . (وأثاروا الأرض). . فحرثوها وشقوا عن باطنها , وكشفوا عن ذخائرها (وعمروها أكثر مما عمروها). . فقد كانوا أكثر حضارة من العرب , وأقدر منهم على عمارة الأرض . . . ثم وقفوا عند ظاهر الحياة الدنيا لا يتجاوزونه إلى ما وراءه: (وجاءتهم رسلهم بالبينات). . , فلم تتفتح بصائرهم لهذه البينات ; و لم يؤمنوا فتتصل ضمائرهم بالنور الذي يكشف الطريق . فمضت فيهم سنة الله في المكذبين ; ولم تنفعهم قوتهم ; ولم يغن عنهم علمهم ولا حضارتهم ; ولقوا جزاءهم العادل الذي يستحقونه: (فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون). .
ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى . . كانت السوأى هي العاقبة التي لقيها المسيئون وكانت جزاء وفاقا على (أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون). .
والقرآن الكريم يدعو المكذبين المستهزئين بآيات الله أن يسيروا في الأرض فلا ينعزلوا في مكانهم كالقوقعة ; وأن يتدبروا عاقبة أولئك المكذبين المستهزئين ويتوقعوا مثلها ; وأن يدركوا أن سنة الله واحدة وأنها لا تحابي أحدا ; وأن يوسعوا آفاق تفكيرهم فيدركوا وحدة البشرية , ووحدة الدعوة , ووحدة العاقبة في أجيال البشرية