ومنذ افتتاح السورة تبرز هذه القضية الواحدة التي تكاد السورة تقتصر على علاجها: تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم . إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصاً له الدين . ألا لله الدين الخالص . . . الخ. . . وتتردد في مقاطعها على فترات متقاربة فيها إما نصاً . وإما مفهوماً . . نصاً كقوله: قل:إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين . وأمرت لأن أكون أول المسلمين . قل:إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم . قل:الله أعبد مخلصاً له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه . . . الخ. . أو قوله:(قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون ? ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد وكن من الشاكرين).
ومفهوماً كقوله:(ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون , ورجلا سلما لرجل . هل يستويان مثلاً:الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون). . أو قوله:(أليس الله بكاف عبده ? ويخوفونك بالذين من دونه , ومن يضلل الله فما له من هاد , ومن يهد الله فما له من مضل . أليس الله بعزيز ذي انتقام ?). .
وإلى جانب حقيقة التوحيد التي تعالج السورة أن تطبعها في القلب وتمكنها نجد في السورة توجيهات وإيحاءات لإيقاظ هذا القلب واستجاشته وإثارة حساسيته , وإرهافه للتلقي والتأثر والاستجابة . ذلك كقوله: والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى . فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه , أولئك الذين هداهم الله , وأولئك هم أولوا الألباب . .(الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم , ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله:ذلك هدى الله يهدي به من يشاء . ومن يضلل الله فما له من هاد). .(وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيباً إليه , ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل . وجعل لله أنداداً ليضل عن سبيله . قل:تمتع بكفرك قليلاً إنك من أصحاب النار). .
وهناك ظاهرة ملحوظة في جو السورة . . إن ظل الآخرة يجللها من أولها إلى آخرها . وسياقها يطوّف بالقلب البشري هناك في كل شوط من أشواطها القصيرة ; ويعيش به في ظلال العالم الآخر معظم الوقت ! وهذا هو مجال العرض الأول فيها والمؤثر البارز المتكرر في ثناياها . ومن ثم تتلاحق فيها مشاهد القيامة أو الإشارة إليها في كل مقطع من مقاطعها الكثيرة . مثل هذه الإشارات: (أم من هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ?). .(قل:إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم). .(أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار ?). . (أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة ?). . (ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون). . (أليس في جهنم مثوى للكافرين ?). . (ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعاً ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة ; وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون). . (وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون . واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغته وأنتم لا تشعرون . أن تقول نفس:يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين . أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين . أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين . .). . وهذا غير المشاهد الكاملة التي تشغل حيزاً من السورة كبيراً , وتظلل جوها بظلال الآخرة .
أما المشاهد الكونية التي لاحظنا كثرتها وتنوعها في السور المكية في ثنايا عرضها لحقائق العقيدة فهي قليلة في هذه السورة . .
هنالك مشهد كوني يرد في مطلعها:(خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل , وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى . ألا هو العزيز الغفار). .
ومشهد آخر في وسطها: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ; ثم يخرج به زرعاً مختلفاً ألوانه ; ثم يهيج فتراه مصفراً ; ثم يجعله حطاماً ? إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب). .
وهناك إشارات سريعة إلى خلق السماوات والأرض غير هذين المشهدين البارزين .
كذلك تتضمن السورة لمسات من واقع حياة البشر , وفي أغوار نفوسهم , تتوزع في ثناياها .
يرد في مطالعها عن نشأة البشرية: (خلقكم من نفس واحدة ; ثم جعل منها زوجها . وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج . يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث . ذلكم الله ربكم له الملك . لا إله إلا هو , فأنى تصرفون ?).
ويرد عن طبيعة النفس البشرية في الضراء والسراء: وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيباً إليه ; ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل . . . الخ. . (فإذا مس الإنسان ضر دعانا ; ثم إذا خولناه نعمة منا قال:إنما اوتيته على علم بل هي فتنة . .). .
ويرد في تصوير أنفس البشر في قبضة الله في كل حالة: (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها ; فيمسك التي قضى عليها الموت , ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى . إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون). .
ولكن ظل الآخرة وجوها يظل مسيطراً على السورة كلها كما أسلفنا . حتى تختم بمشهد خاشع يرسم ظل ذلك اليوم وجوه:(وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم , وقضي بينهم بالحق , وقيل:الحمد لله رب العالمين).
هذا الظل يتناسق مع جو السورة , ولون اللمسات التي تأخذ القلب البشري بها . فهي أقرب إلى جو الخشية والخوف والفزع والارتعاش . ومن ثم نجد الحالات التي ترسمها للقلب البشري هي حالات ارتعاشه وانتفاضه وخشيته . نجد هذا في صورة القانت(آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه). وفي صورة الذين يخشون ربهم تقشعر جلودهم لهذا القرآن ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله . كما نجده في التوجيه إلى التقوى والخوف من العذاب , والتخويف منه: (قل:يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم).(قل:إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم). .(لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل . ذلك يخوف الله به عباده . يا عباد فاتقون). . ثم نجده في مشاهد القيامة وما فيها من فزع ومن خشية , وما فيها كذلك من إنابة وخشوع .
الدرس الأول:1 - 5 إثبات الرسالة والأمر بالعبادة والتوحيد وأدلة على الوحدانية
والسورة تعالج الموضوع الواحد الرئيسي فيها في جولات قصيرة متتابعة ; تكاد كل جولة منها تختم بمشهد من مشاهد القيامة , أو ظل من ظلالها . وسنحاول أن نستعرض هذه الجولات المتتابعة كما وردت في السياق . إذ أنه يصعب تقسيم السورة إلى دروس كبيرة . وكل مجموعة قليلة من آياتها تصلح حلقة تعرض في موضعها . ومجموع هذه الحلقات يتناول حقيقة واحدة . حقيقة التوحيد الكبيرة . .
(تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم . إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق , فاعبد الله مخلصاً له الدين . ألا لله الدين الخالص , والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى . إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون . إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار).
تبدأ السورة بهذا التقرير الحاسم .