في هذا المقطع من السورة لفتة إلى حياة النبات في الأرض عقب إنزال الماء من السماء ; وانتهائها إلى غايتها القريبة , وكثيراً ما يضرب هذا مثلاً للحياة الدنيا في حقيقتها الزائلة - وتوجيه لأولي الألباب الذين يذكرون ويتدبرون ليتدبروا هذا المثل ويذكروه . وعلى ذكر إنزال الماء من السماء يشير إلى الكتاب المنزل من السماء كذلك لتحيا به القلوب وتنشرح له الصدور ; مع تصوير موح لاستجابة القلوب المفتوحة لهذا الكتاب , بخشية وقشعريرة ثم لين وطمأنينة . وتصوير كذلك لعاقبة المستجيبين لذكر الله , والقاسية قلوبهم من ذكر الله , وفي النهاية يتجه إلى حقيقة التوحيد , فيضرب مثالاً لمن يعبد إلهاً واحداً ومن يعبد آلهة متعددة . وهما لا يستويان مثلاً ولا يتفقان حالاً . كما لا يستوي حال العبد الذي يملكه سادة متنازعون والعبد الذي يعمل لسيد واحد لا ينازعه أحد فيه !
الدرس الأول:21 المطر والينابيع والثمار
(ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء , فسلكه ينابيع في الأرض , ثم يخرج به زرعاً مختلفاً ألوانه , ثم يهيج فتراه مصفراً , ثم يجعله حطاماً ? إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب).
إن هذه الظاهرة التي يوجه القرآن إليها الأنظار للتأمل والتدبر , ظاهرة تتكرر في أنحاء الأرض , حتى لتذهب الألفة بجدتها وما فيها من عجائب في كل خطوة من خطواتها . والقرآن يوجه النظر إلى رؤية يد الله وتتبع آثارها في كل خطوة من خطوات الحياة .
فهذا الماء النازل من السماء . . ما هو وكيف نزل ? إننا نمر بهذه الخارقة سراعاً لطول الألفة وطول التكرار . إن خلق الماء في ذاته خارقة . ومهما عرفنا أنه ينشأ من اتحاد ذرتي أيدروجين بذرة أكسوجين تحت ظروف معينة , فإن هذه المعرفة خليقة بأن توقظ قلوبنا إلى رؤية يد الله التي صاغت هذا الكون بحيث يوجد الأيدروجين ويوجد الأكسوجين وتوجد الظروف التي تسمح باتحادهما , وبوجود الماء من هذا الاتحاد . ومن ثم وجود الحياة في هذه الأرض . ولولا الماء ما وجدت حياة . إنها سلسلة من التدبير حتى نصل إلى وجود الماء ووجود الحياة . والله من وراء هذا التدبير , وكله مما صنعت يداه . . ثم نزول هذا الماء بعد وجوده وهو الآخر خارقة جديدة , ناشئة من قيام الأرض والكون على هذا النظام الذي يسمح بتكون الماء ونزوله وفق تدبير الله .
ثم تجيء الخطوة التالية لإنزال الماء:
(فسلكه ينابيع في الأرض). .
سواء في ذلك الأنهار الجارية على سطح الأرض ; أو الأنهار الجارية تحت طباقها مما يتسرب من المياه السطحية , ثم يتفجر بعد ذلك ينابيع وعيوناً , أو يتكشف آباراً . ويد الله تمسكه فلا يذهب في الأغوار البعيدة التي لا يظهر منها أبداً !
(ثم يخرج به زرعاً مختلفاً ألوانه). .
والحياة النباتية التي تعقب نزول الماء وتنشأ عنه ; خارقة يقف أمامها جهد الإنسان حسيراً . ورؤية النبتة الصغيرة وهي تشق حجاب الأرض عنها ; وتزيح أثقال الركام من فوقها ; وتتطلع إلى الفضاء والنور والحرية ; وهي تصعد إلى الفضاء رويداً رويداً . . هذه الرؤية كفيلة بأن تملأ القلب المفتوح ذكرى ; وأن تثير فيه الإحساس بالله الخالق المبدع الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى . والزرع المختلف الألوان في البقعة الواحدة . بل في النبتة الواحدة . بل في الزهرة الواحدة إن هو إلا معرض لإبداع القدرة ; يُشعر الإنسان بالعجز المطلق عن الإتيان بشيء منه أصلاً !
هذا الزرع النامي اللدن الرخص الطري بالحياة , يبلغ تمامه , ويستوفي أيامه:
(ثم يهيج فتراه مصفراً). .
وقد بلغ غايته المقدرة له في ناموس الوجود , وفي نظام الكون , وفي مراحل الحياة , فينضج للحصاد:
(ثم يجعله حطاماً). .
وقد استوفى أجله , وأدى دوره , وأنهى دورته كما قدر له واهب الحياة . .
(إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب). .
الذين يتدبرون فيذكرون , وينتفعون بما وهبهم الله من عقل وإدراك .
الدرس الثاني:22 - 26 بين المهتدي المنشرح للقرآن والمعرض المعذب في النار
(أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ? فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله . أولئك في ضلال مبين . الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ; ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله . ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ; ومن يضلل الله فما له من هاد). .
وكما ينزل الماء من السماء فينبت لهم به زرعاً مختلفاً ألوانه كذلك ينزل من السماء ذكراً تتلقاه القلوب الحية ; فتتفتح وتنشرح وتتحرك حركة الحياة , وتتلقاه القلوب القاسية كما تتلقاه الصخرة القاسية التي لا حياة فيها ولا نداوة !
والله يشرح للإسلام قلوباً يعلم منها الخير , ويصلها بنوره فتشرق به وتستضيء . والفرق بين هذه القلوب وقلوب آخرى قاسية فرق بعيد . (فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله). .
(أولئك في ضلال مبين). .
وهذه الآية تصور حقيقة القلوب التي تتلقى الإسلام فتنشرح له وتندى به . وتصور حالها مع الله . حال الانشراح والتفتح والنداوة والبشاشة , والإشراق والاستنارة . كما تصور حقيقة القلوب الأخرى في قساوتها وغلظتها وموتها وجفافها , وعتمتها وظلامها . ومن يشرح الله صدره للإسلام ويمد له من نوره , ليس قطعاً كالقاسية قلوبهم من ذكر الله . وشتان شتان بين هؤلاء وهؤلاء .
كذلك تصور الآية الثانية هيئة تلقي المؤمنين لهذا القرآن . هذا الكتاب المتناسق الذي لا اختلاف في طبيعته ولا في اتجاهاته , ولا في روحه , ولا في خصائصه . فهو(متشابه)وهو(مثاني)تكرر مقاطعه وقصصه وتوجيهاته ومشاهده . ولكنها لا تختلف ولا تتعارض , إنما تعاد في مواضع متعددة وفق حكمة تتحقق في الإعادة والتكرار . في تناسق وفي استقرار على أصول ثابتة متشابهة . لا تعارض فيها ولا اصطدام .
والذين يخشون ربهم ويتقونه , ويعيشون في حذر وخشية , وفي تطلع ورجاء , يتلقون هذا الذكر في وجل وارتعاش , وفي تأثر شديد تقشعر منه الجلود ; ثم تهدأ نفوسهم , وتأنس قلوبهم بهذا الذكر فتلين جلودهم وقلوبهم وتطمئن إلى ذكر الله . .
وهي صورة حية حساسة ترسمها الكلمات , فتكاد تشخص فيها الحركات .
(ذلك هدى الله يهدي به من يشاء). .
فما ترتعش القلوب هكذا إلا حين تحركها أصبع الرحمن إلى الهدى والاستجابة والإشراق . والله يعلم من حقيقة القلوب ما يجازيها عليه بالهدى أو بالضلال:
(ومن يضلل الله فما له من هاد). .