على الغائب والحاضر , والباطن والظاهر . (أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون). . فهو وحده الحكم يوم يرجعون إليه . وهم لا بد راجعون . الدرس الخامس:47 - 48 مفاجأة الكفار بالعذاب في الآخرة
وبعد هذا التلقين يعرض حالهم المفزعة يوم يرجعون للحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون:
ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعاً ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة , وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون . وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون . .
إنه الهول الملفوف في ثنايا التعبير الرهيب . فلو أن لهؤلاء الظالمين - الظالمين بشركهم وهو الظلم العظيم - لو أن لهؤلاء (ما في الأرض جميعاً). . مما يحرصون عليه وينأون عن الإسلام اعتزازاً به . (ومثله معه). . لقدموه فدية مما يرون من سوء العذاب يوم القيامة . .
وهول آخر يتضمنه التعبير الملفوف: (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون). .
ولا يفصح عما بدا لهم من الله ولم يكونوا يتوقعونه . لا يفصح عنه ولكنه هكذا هائل مذهل مخيف . . فهو الله . الله الذي يبدو منه لهؤلاء الضعاف ما لا يتوقعون ! هكذا بلا تعريف ولا تحديد ! .
وبدا لهم سيئات ما كسبوا , وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون . .
وهذه كذلك تزيد الموقف سوءاً . حين يتكشف لهم قبح ما فعلوا وحين يحيط بهم ما كانوا به يستهزئون من الوعيد والنذير . وهم في ذلك الموقف الأليم الرعيب . .
الدرس السادس:49 - 52 لجوء الكفار إلى الله عند الشدة وتعذيبهم لكفرهم
وبعد هذا المشهد المعترض لبيان حالهم يوم يرجعون إلى الله الذي به يشركون , والذي تشمئز قلوبهم حين يذكر وحده , وتستبشر حينما تذكر آلهتهم المدعاة . بعد هذا يعود إلى تصوير حالهم العجيب . فهم ينكرون وحدانية الله . فأما حين يصيبهم الضر فهم لا يتوجهون إلا له وحده ضارعين منيبين . حتى إذا تفضل عليهم وأنعم راحوا يتبجحون وينكرون:
(فإذا مس الإنسان ضر دعانا . ثم إذا خولناه نعمة منا , قال:إنما أوتيته على علم . بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون). .
والآية تصور نموذجاً مكرراً للإنسان , ما لم تهتد فطرته إلى الحق , وترجع إلى ربها الواحد , وتعرف الطريق إليه , فلا تضل عنه في السراء والضراء .
إن الضر يسقط عن الفطرة ركام الأهواء والشهوات , ويعريها من العوامل المصطنعة التي تحجب عنها الحق الكامن فيها وفي ضمير هذا الوجود . فعندئذ ترى الله وتعرفه وتتجه إليه وحده . حتى إذا مرت الشدة وجاء الرخاء , نسي هذا الإنسان ما قاله في الضراء , وانحرفت فطرته بتأثير الأهواء . وقال عن النعمة والرزق والفضل: (إنما أوتيته على علم). . قالها قارون , وقالها كل مخدوع بعلم أو صنعة أو حيلة يعلل بها ما اتفق له من مال أو سلطان . غافلاً عن مصدر النعمة , وواهب العلم والقدرة , ومسبب الأسباب , ومقدر الأرزاق .
(بل هي فتنة . ولكن أكثرهم لا يعلمون). .
هي فتنة للاختبار والامتحان . ليتبين إن كان سيشكر أو سيكفر ; وإن كان سيصلح بها أم سيفسد ; وإن كان سيعرف الطريق أم يجنح إلى الضلال .