الوحدة الثانية:8 - 10 الموضوع:اختلاف نظرة الناس إلى الإبتلاء ودعوة إلى عبادة الله في الجولة الأولى لمس قلوبهم بعرض قصة وجودهم وخلقهم من نفس واحدة وتزويجها من جنسها ; وخلق الأنعام أزواجاً كذلك ; وخلقهم في بطون أمهاتهم في ظلمات ثلاث . وأشعرهم يد الله تمنحهم خصائص جنسهم البشري أول مرة ; ثم تمنحهم خصائص البقاء والارتقاء .
وهنا يلمس قلوبهم لمسة أخرى وهو يعرض عليهم صورتهم في الضراء وصورتهم في السراء ; ويريهم تقلبهم وضعفهم وادعاءهم وقلة ثباتهم على نهج ; إلا حين يتصلون بربهم , ويتطلعون إليه , ويقنتون له , فيعرفون الطريق , ويعلمون الحقيقة ; وينتفعون بما وهبهم الله من خصائص الإنسان .
الدرس الأول:8 اللجوء إلى الله عند الضر ونسيانه عند النعمة
(وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيباً إليه . ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل , وجعل لله أنداداً , ليضل عن سبيله . قل:تمتع بكفرك قليلاً , إنك من أصحاب النار). .
إن فطرة الإنسان تبرز عارية حين يمسه الضر ; ويسقط عنها الركام ; وتزول عنها الحجب , وتتكشف عنها الأوهام ; فتتجه إلى ربها , وتنيب إليه وحده ; وهي تدرك أنه لا يكشف الضر غيره . وتعلم كذب ما تدعي من شركاء أو شفعاء .
فأما حين يذهب الضر ويأتي الرخاء , ويخوله الله نعمة منه , ويرفع عنه البلاء . فإن هذا الإنسان الذي تعرت فطرته عند مس الضر يعود فيضع عليها الركام , وينسى تضرعه وإنابته وتوحيده لربه . وتطلعه إليه في المحنة وحده , حين لم يكن غيره يملك أن يدفع عنه محنته . . ينسى هذا كله ويذهب يجعل لله أنداداً . إما آلهة يعبدها كما كان في جاهليته الأولى ; وإما قيماً وأشخاصاً وأوضاعاً يجعل لها في نفسه شركة مع الله , كما يفعل في جاهلياته الكثيرة ! فإذا هو يعبد شهواته وميوله ومطامعه ومخاوفه وماله وأولاده وحكامه وكبراءه كما يعبد الله أو أخلص عبادة ; ويحبها كما يحب الله أو أشد حباً ! والشرك ألوان . فيها الخفي الذي لا يحسبه الناس شركاً , لأنه لا يأخذ شكل الشرك المعروف وإنما هو من الشرك في الصميم .
وتكون العاقبة هي الضلال عن سبيل الله . فسبيل الله واحد لا يتعدد . وإفراده بالعبادة والتوجه والحب هو وحده الطريق إليه . والعقيدة في الله لا تحتمل شركة في القلب . لا تحتمل شركة من مال ولا ولد ولا وطن ولا
أرض ولا صديق ولا قريب , فأيما شركة قامت في القلب من هذا وأمثاله فهي اتخاذ أنداد لله , وضلال عن سبيل الله , منته إلى النار بعد قليل من المتاع في هذه الأرض:(قل:تمتع بكفرك قليلاً:إنك من أصحاب النار). .
وكل متاع في هذه الأرض قليل مهما طال . وأيام الفرد على هذه الأرض معدودة مهما عمر . بل إن حياة الجنس البشري كله على الأرض لمتاع قليل , حين يقاس إلى أيام الله !
الدرس الثاني:9 صورة العالم العابد القانت
وإلى جانب هذه الصورة النكدة من الإنسان , يعرض صورة اخرى . . صورة القلب الخائف الوجل , الذي يذكر الله ولا ينساه في سراء ولا ضراء ; والذي يعيش حياته على الأرض في حذر من الآخرة ; وفي تطلع إلى رحمة ربه وفضله ; وفي اتصال بالله ينشأ عنه العلم الصحيح المدرك لحقائق الوجود:
أم من هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً , يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ? قل:هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ? إنما يتذكر أولو الألباب .
وهي صورة مشرقة مرهفة . فالقنوت والطاعة والتوجه - وهو ساجد وقائم - وهذه الحساسية المرهفة - وهو يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه - وهذا الصفاء وهذه الشفافية التي تفتح البصيرة . وتمنح القلب نعمة الرؤية والالتقاط والتلقي . . هذه كلها ترسم صورة مشرقة وضيئة من البشر تقابل تلك الصورة النكدة المطموسة التي رسمتها الآية السابقة . فلا جرم يعقد هذه الموازنة:
(قل:هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ?). .
فالعلم الحق هو المعرفة . هو إدراك الحق . هو تفتح البصيرة . هو الاتصال بالحقائق الثابتة في هذا الوجود . وليس العلم هو المعلومات المفردة المنقطعة التي تزحم الذهن , ولا تؤدي إلى حقائق الكون الكبرى , ولا تمتد وراء الظاهر المحسوس .
وهذا هو الطريق إلى العلم الحقيقي والمعرفة المستنيرة . . هذا هو . . القنوت لله . وحساسية القلب , واستشعار الحذر من الآخرة , والتطلع إلى رحمة الله وفضله ; ومراقبة الله هذه المراقبة الواجفة الخاشعة . . هذا هو الطريق , ومن ثم يدرك اللب ويعرف , وينتفع بما يرى وما يسمع وما يجرب ; وينتهي إلى الحقائق الكبرى الثابتة من وراء المشاهدات والتجارب الصغيرة . فأما الذين يقفون عند حدود التجارب المفردة , والمشاهدات الظاهرة , فهم جامعو معلومات وليسوا بالعلماء . .
إنما يتذكر أولو الألباب . .
وإنما يعرف أصحاب القلوب الواعية المتفتحة المدركة لما وراء الظواهر من حقائق . المنتفعة بما ترى وتعلم , التي تذكر الله في كل شيء تراه وتلمسه ولا تنساه , ولا تنسى يوم لقاه . .
الدرس الثالث:10 دعوة العباد إلى التقوى والصبر
وبعد عرض هاتين الصورتين يتجه إلى الذين آمنوا يناديهم ليتقوا ويحسنوا ; ويتخذوا من حياتهم القصيرة على هذه الأرض وسيلة للكسب الطويل في الحياة الآخرة:
(قل:يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم . للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة . وأرض الله واسعة . إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب). .