|
في ظلال القرآن
الكريم
السجدة من الاية 3 الى الاية 3 أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مöن رَّبّöكَ لöتُنذöرَ قَوْماً مَّا أَتَاهُم مّöن نَّذöيرٍ مّöن قَبْلöكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (3)
أمام التجربة الواقعة , وأمام موازين القول التي يقر بها الجميع . إن كل آية وكل سورة تنبض بالعنصر المستكن العجيب المعجز في هذا القرآن ; وتشي بالقوة الخفية المودعة في هذا الكلام . وإن الكيان الإنساني ليهتز ويرتجف ويتزايل ولا يملك التماسك أمام هذا القرآن , كلما تفتح القلب , وصفا الحس , وارتفع الإدراك , وارتفعت حساسية التلقي والاستجابة . وإن هذه الظاهرة لتزداد وضوحا كلما اتسعت ثقافة الإنسان , ومعرفته بهذا الكون وما فيه ومن فيه . فليست هي مجرد وهلة تأثيرية وجدانية غامضة . فهي متحققة حين يخاطب القرآن الفطرة خطابا مباشرا . وهي متحققة كذلك حين يخاطب القلب المجرب , والعقل المثقف , والذهن الحافل بالعلم والمعلومات . وإن نصوصه ليتسع مدى مدلولاتها ومفهوماتها وإيقاعاتها على السواء كلما ارتفعت درجة العلم والثقافة والمعرفة , ما دامت الفطرة مستقيمة لم تنحرف ولم تطمس عليها الأهواء مما يجزم بأن هذا القرآن صنعة غير بشرية على وجه اليقين , وأنه تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين . (أم يقولون:افتراه ?). . ولقد قالوها فيما زعموه متعنتين . ولكن السياق هنا يصوغ هذا القول في صيغة المستنكر لأن يقال هذا القول أصلا: (أم يقولون:افتراه ?). . هذه القولة التي لا ينبغي أن تقال ; فتاريخ محمد [ ص ] فيهم ينفي هذه الكلمة الظالمة من جهة ; وطبيعة هذا الكتاب ذاتها تنفيه أصلا , ولا تدع مجالا للريب والتشكك: (بل هو الحق من ربك). . الحق . . بما في طبيعته من صدق ومطابقة لما في الفطرة من الحق الأزلي ; وما في طبيعة الكون كله من هذا الحق الثابت , المستقر في كيانه , الملحوظ في تناسقه , واطراد نظامه , وثبات هذا النظام , وشموله وعدم تصادم أجزائه , أو تناثرها , وتعارف هذه الأجزاء وتلاقيها . الحق . . بترجمته لنواميس هذا الوجود الكبير ترجمة مستقيمة ; وكأنما هو الصورة اللفظية المعنوية لتلك النواميس الطبيعية الواقعية العاملة في هذا الوجود . الحق . . بما يحققه من اتصال بين البشر الذين يرتضون منهجه وهذا الكون الذي يعيشون فيه ونواميسه الكلية , وما يعقده بينهم وبين قوى الكون كله من سلام وتعاون وتفاهم وتلاق . حيث يجدون أنفسهم في صداقة مع كل ما حولهم من هذا الكون الكبير . الحق . . الذي تستجيب له الفطرة حين يلمسها إيقاعه , في يسر وسهولة , وفي غير مشقة ولا عنت . لأنه يلتقي بما فيها من حق أزلي قديم . الحق . . الذي لا يتفرق ولا يتعارض وهو يرسم منهاج الحياة البشرية كاملا ; ويلحظ في هذا المنهاج كل قواها وكل طاقاتها , وكل نزعاتها وكل حاجاتها , وكل ما يعتورها من مرض أو ضعف أو نقص أو آفة , تدرك النفوس وتفسد القلوب . الحق . . الذي لا يظلم أحدا في دنيا أو آخرة . ولا يظلم قوة في نفس ولا طاقة . ولا يظلم فكرة في القلب أو حركة في الحياة , فيكفها عن الوجود والنشاط , ما دامت متفقة مع الحق الكبير الأصيل في صلب الوجود . (بل هو الحق من ربك). . فما هو من عندك , إنما هو من عند ربك . وهو رب العالمين كما قال في الآية السابقة ; إنما هذه الإضافة هنا للتكريم . تكريم الرسول الذي يتهمونه بالافتراء . وإلقاء ظلال القربى بينه وبين ربه رب العالمين . ردا على الاتهام الأثيم . وتقريرا للصلة الوثيقة التي تحمل مع معنى التكريم معنى وثاقة المصدر وصحة التلقي . وأمانة النقل والتبليغ . (لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك , لعلهم يهتدون). . والعرب الذين أرسل إليهم محمد [ ص ] لم يرسل إليهم أحد قبله ; ولا يعرف التاريخ رسولا بين إسماعيل - عليه السلام - جد العرب الأول وبين محمد [ ص ] وقد نزل الله عليه هذا الكتاب الحق , لينذرهم به . (لعلهم يهتدون)فهدايتهم مرجوة بهذا الكتاب , لما فيه من الحق الذي يخاطب الفطر والقلوب . الدرس الثاني:4 - 9 بعض صفات الله وأفعاله الدالة على وحدانيته هؤلاء القوم الذين نزل الله الكتاب لينذرهم به رسوله [ ص ] كانوا يشركون مع الله آلهة أخرى . فهنا يبدأ ببيان صفة الله التي يعرفون بها حق ألوهيته سبحانه , ويميزون بها بين من يستحق هذا الوصف العظيم:(الله)ومن لا يستحقونه ولا يجوز أن يقرنوا إلى مقام الله رب العالمين: (الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام , ثم استوى على العرش , ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع . أفلا تتذكرون ? يدبر الأمر من السماء إلى الأرض , ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون . ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم . الذي أحسن كل شيء خلقه , وبدأ خلق الإنسان من طين . ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين . ثم سواه ونفخ فيه من روحه , وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة . قليلا ما تشكرون). . ذلك هو الله , وهذه هي آثار ألوهيته ودلائلها . هذه هي في صفحة الكون المنظور . وفي ضمير الغيب المترامي وراء إدراك البشر المحدود . وفي نشأة الإنسان وأطواره التي يعرفها الناس , والتي يطلعهم عليها الله في كتابه الحق المبين . (الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام). . والسماوات والأرض وما بينهما هي هذه الخلائق الهائلة التي نعلم عنها القليل ونجهل عنها الكثير . . هي هذا الملكوت الطويل العريض الضخم المترامي الأطراف , الذي يقف الإنسان أمامه مبهورا مدهوشا متحيرا في الصنعة المتقنة الجميلة المنسقة الدقيقة التنظيم . . هي هذا الخلق الذي يجمع إلى العظمة الباهرة , الجمال الأخاذ . الجمال الحقيقي الكامل , الذي لا يرى فيه البصر , ولا الحس , ولا القلب , موضعا للنقص ; ولا يمل المتأمل التطلع إليه مهما طالت وقفته ; ولا يذهب التكرار والألفة بجاذبيته . المتجددة العجيبة . ثم هي هذه الخلائق المنوعة , المتعددة الأنواع والأجناس والأحجام والأشكال والخواص والمظاهر والاستعدادات والوظائف , الخاضعة كلها لناموس واحد , المتناسقة كلها في نشاط واحد , المتجهة كلها إلى مصدر واحد تتلقى منه التوجيه والتدبير , وتتجه إليه بالطاعة والاستسلام . والله . . هو الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما . . فهو الحقيق - سبحانه - بهذا الوصف العظيم . . (خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام). . وليست هي قطعا من أيام هذه الأرض التي نعرفها . فأيام هذه الأرض مقياس زمني ناشى ء من دورة هذه السابق - التالي
|