ثم نعود إلى ظلال القرآن !
(ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين). .
من ماء النطفة الذي هو المرحلة الأولى في تطور الجنين:من النطفة إلى العلقة إلى المضغة إلى العظام إلى كمال التكوين الجنيني , في هذه السلالة التي تبدأ بالماء المهين . وإنها لرحلة هائلة حين ينظر إلى طبيعة التطورات التي تمر بها تلك النقطة الضائعة من ذلك الماء المهين . حتى تصل إلى الإنسان المعقد البديع التكوين ! وإنها لمسافة شاسعة ضخمة بين الطور الأول والطور الأخير .
وذلك ما يعبر عنه القرآن في آية واحدة تصور هذه الرحلة المديدة:
(ثم سواه , ونفخ فيه من روحه , وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة). .
يا الله . ما أضخم الرحلة ! وما أبعد الشقة ! وما أعظم المعجزة التي يمر عليها الناس غافلين !
أين تلك النقطة الصغيرة المهينة من ذلك الإنسان الذي تصير إليه في النهاية , لولا أنها يد الله المبدعة التي تصنع هذه الخارقة . والتي تهدي تلك النقطة الصغيرة الضعيفة إلى اتخاذ طريقها في النمو والتطور والتحول من هيئتها الساذجة إلى ذلك الخلق المعقد المركب العجيب ?
هذا الانقسام في تلك الخلية الواحدة والتكاثر . ثم التنويع في أصناف الخلايا المتعددة ذات الطبيعة المختلفة , والوظيفة المختلفة ; التي تتكاثر هي بدورها لتقوم كل مجموعة منها بتكوين عضو خاص ذي وظيفة خاصة . وهذا العضو الذي تكونه خلايا معينة من نوع خاص , يحتوي بدوره على أجزاء ذات وظائف خاصة وطبيعة خاصة , تكونها خلايا أكثر تخصصا في داخل العضو الواحد . . هذا الانقسام والتكاثر مع هذا التنويع كيف يتم في الخلية الأولى وهي خلية واحدة ? وأين كانت تكمن تلك الخصائص كلها التي تظهر فيما بعد في كل مجموعة من الخلايا المتخصصة الناشئة من تلك الخلية الأولى ? ثم أين كانت تكمن الخصائص المميزة لجنين الإنسان من سائر الأجنة ? ثم المميزة لكل جنين إنساني من سائر الأجنة الإنسانية ? ثم الحافظة لكل ما يظهر بعد ذلك في الجنين من استعدادات خاصة , ووظائف معينة , وسمات وشيات طوال حياته ?!
ومن ذا الذي كان يمكن أن يتصور إمكان وقوع هذه الخارقة العجيبة لولا أنها وقعت فعلا وتكرر وقوعها ?
إنها يد الله التي سوت هذا الإنسان ; وإنها النفخة من روح الله في هذا الكيان . . إنها التفسير الوحيد الممكن لهذه العجيبة التي تتكرر في كل لحظة , والناس عنها غافلون . . ثم هي النفخة من روح الله التي جعلت من هذا الكائن العضوي إنسانا ذا سمع وذا بصر وذا إدراك إنساني مميز من سائر الكائنات العضوية الحيوانية: (وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة). . وكل تعليل آخر عاجز عن تفسير تلك العجيبة التي تواجه العقل البشري بالحيرة الغامرة التي لا مخرج منها بغير ذلك التفسير .
ومع كل هذا الفيض من الفضل . الفضل الذي يجعل من الماء المهين ذلك الإنسان الكريم . الفضل الذي أودع تلك الخلية الصغيرة الضعيفة كل هذا الرصيد من القدرة على التكاثر والنماء , والتطور والتحول , والتجمع والتخصص . ثم أودعها كل تلك الخصائص والاستعدادات والوظائف العليا التي تجعل من الإنسان إنسانا . . مع كل هذا الفيض فإن الناس لا يشكرون إلا في القليل: (قليلا ما تشكرون). .
الدرس الثالث:10 - 11 رد على إنكار الكفار للبعث
وفي ظل مشهد النشأة الأولى للإنسان , وأطوار هذه النشأة العجيبة , الخارقة لكل مألوف , وإن كانت