سورة الشعراء
بسم الله الرحمن الرحيم
الوحدة الأولى:1 - 9 الموضوع:إثبات النبوة وثبات موقف الكفار منها مقدمة سورة الشعراء
موضوع هذه السورة الرئيسي هو موضوع السور المكية جميعا . . العقيدة . . ملخصة في عناصرها الأساسية:توحيد الله:(فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين). . والخوف من الآخرة:(ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم). . والتصديق بالوحي المنزل على محمد رسول الله [ ص ]: (وإنه لتنزيل رب العالمين ; نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين). . ثم التخويف من عاقبة التكذيب , إما بعذاب الدنيا الذي يدمر المكذبين ; وإما بعذاب الآخرة الذي ينتظر الكافرين:(فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤون !). . (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون).
ذلك إلى تسلية الرسول [ ص ] وتعزيته عن تكذيب المشركين له وللقرآن:(لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين)وإلى طمأنة قلوب المؤمنين وتصبيرهم على ما يلقون من عنت المشركين ; وتثبيتهم على العقيدة مهما أوذوا في سبيلها من الظالمين ; كما ثبت من قبلهم من المؤمنين .
وجسم السورة هو القصص الذي يشغل ثمانين ومائة آية من مجموع آيات السورة كلها . والسورة هي هذا القصص مع مقدمة وتعقيب . والقصص والمقدمة والتعقيب تؤلف وحدة متكاملة متجانسة , تعبر عن موضوع السورة وتبرزه في أساليب متنوعة , تلتقي عند هدف واحد . . ومن ثم تعرض من كل قصة الحلقة أو الحلقات التي تؤدي هذه الأغراض .
ويغلب على القصص كما يغلب على السورة كلها جو الإنذار والتكذيب , والعذاب الذي يتبع التكذيب . ذلك أن السورة تواجه تكذيب مشركي قريش لرسول الله [ ص ] واستهزاءهم بالنذر , وإعراضهم عن آيات الله , واستعجالهم بالعذاب الذي يوعدهم به ; مع التقول على الوحي والقرآن ; والادعاء بأنه سحر أو شعر تتنزل به الشياطين !
والسورة كلها شوط واحد - مقدمتها وقصصها وتعقيبها - في هذا المضمار . لذلك نقسمها إلى فقرات أو جولات بحسب ترتيبها . ونبدأ بالمقدمة قبل القصص المختار:
(طسم . تلك آيات الكتاب المبين). .
طا . سين . ميم . . الأحرف المقطعة للتنبيه إلى أن آيات الكتاب المبين - ومنها هذه السورة - مؤلفة من مثل هذه الأحرف ; وهي في متناول المكذبين بالوحي ; وهم لا يستطيعون أن يصوغوا منها مثل هذا الكتاب المبين . والحديث عن هذا الكتاب متداول في السورة . في مقدمتها ونهايتها . كما هو الشأن في السور المبدوءة بالأحرف المقطعة في القرآن .
وبعد هذا التنبيه يبدأ في مخاطبة رسول الله [ ص ] الذي يهمه أمر المشركين ويؤذيه تكذيبهم له وللقرآن الكريم ; فيسليه ويهون عليه الأمر ; ويستكثر ما يعانيه من أجلهم ; وقد كان الله قادرا على أن يلوي أعناقهم كرها إلى الإيمان , بآية قاهرة تقسرهم عليه قسرا:
(لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين ! إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين).
وفي التعبير ما يشبه العتب على شدة ضيقه [ ص ] وهمه بعدم إيمانهم:(لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين). . وبخع النفس قتلها . وهذا يصور مدى ما كان رسول الله [ ص ] يعاني من تكذيبهم , وهو يوقن بما ينتظرهم بعد التكذيب , فتذوب نفسه عليهم - وهم أهله وعشيرته وقومه - ويضيق صدره . فربه يرأف به , وينهنهه عن هذا الهم القاتل , ويهون عليه الأمر , ويقول له:إن إيمانهم ليس مما كلفت ; ولو شئنا أن نكرههم عليه لأكرهناهم , ولأنزلنا من السماء آية قاهرة لا يملكون معها جدالا , ولا إنصرافا عن الإيمان . ويصور خضوعهم لهذه الأية صورة حسية: (فظلت أعناقهم لها خاضعين)ملوية محنية حتى لكأن هذه هيئة لهم لا تفارقهم , فهم عليها مقيمون !
ولكنه - سبحانه - لم يشأ أن يجعل مع هذه الرسالة الأخيرة آية قاهرة . لقد جعل آيتها القرآن . منهاج حياة كاملة . معجزا في كل ناحية:
معجزا في بنائه التعبيري وتنسيقه الفني , باستقامته على خصائص واحدة , في مستوى واحد , لا يختلف ولا يتفاوت , ولا تتخلف خصائصه ; كما هي الحال في أعمال البشر . إذ يبدو الارتفاع والانخفاض والقوة والضعف في عمل الفرد الواحد , المتغير الحالات . بينما تستقيم خصائص هذا القرآن التعبيرية على نسق واحد , ومستوى واحد , ثابت لا يتخلف , يدل على مصدره الذي لا تختلف عليه الأحوال .
معجزا في بنائه الفكري , وتناسق أجزائه وتكاملها , فلا فلتة فيه ولا مصادفة . كل توجيهاته وتشريعاته تلتقي وتتناسق وتتكامل ; وتحيط بالحياة البشرية , وتستوعبها , وتلبيها وتدفعها , دون أن تتعارض جزئية واحدة من ذلك المنهاج الشامل الضخم مع جزئية أخرى ; ودون أن تصطدم واحدة منها بالفطرة الإنسانية أو تقصر عن تلبيتها . . وكلها مشدودة إلى محور واحد , وإلى عروة واحدة , في اتساق لا يمكن أن تفطن