والأساطير , التي تلبس ثوب الدين . ثم هم في النهاية يأنفون أن يسويهم التوحيد الخالص بالجماهير من الناس , حيث تسقط القيم الزائفة كلها , وترتفع قيمة واحدة . قيمة الإيمان والعمل الصالح . قيمة واحدة ترفع قوما وتخفض آخرين . بميزان واحد هو ميزان العقيدة والسلوك القويم . ومن ثم يجيبهم نوح الجواب الذي يقرر القيم الثابتة ; ويحدد اختصاص الرسول , ويدع أمر الناس وحسابهم لله على ما يعملون .
(قال:وما علمي بما كانوا يعملون ? إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون . وما أنا بطارد المؤمنين . إن أنا إلا نذير مبين).
والكبراء يقولون دائما عن الفقراء:إن عاداتهم وأخلاقهم لا ترضي العلية , ولا تطاق في أوساط الطبقة الراقية ذات الحس المرهف والذوق اللطيف ! فنوح يقول لهم:إنه لا يطلب إلى الناس شيئا سوى الإيمان . وقد آمنوا . فأما عملهم قبله فموكول إلى الله , وهو الذي يزنه ويقدره . ويجزيهم على الحسنات والسيئات . وتقدير الله هو الصحيح (لو تشعرون)بالقيم الحقة التي ترجح في ميزان الله . وما وظيفتي إلا الإنذار والإفصاح:(إن أنا إلا نذير مبين).
فلما أن واجههم نوح - عليه السلام - بحجته الواضحة ومنطقه المستقيم ; وعجزوا عن المضي في الجدل بالحجة والبرهان , لجأوا إلى ما يلجأ إليه الطغيان كلما أعوزته الحجة , وخذله البرهان . لجأوا إلى التهديد بالقوة المادية الغليظة التي يعتمد عليها الطغاة في كل زمان ومكان , عندما تعوزهم الحجة , ويعجزهم البرهان:
(قالوا:لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين).
وأسفر الطغيان عن وجهه الكالح , وكشف الضلال عن وسيلته الغليظة , وعرف نوح أن القلوب الجاسية لن تلين
هنا توجه نوح إلى الولي الوحيد , والناصر الفريد , الذي لا ملجأ سواه للمؤمنين:
(قال:رب إن قومي كذبون . فافتح بيني وبينهم فتحا , ونجني ومن معي من المؤمنين).
وربه يعلم أن قومه كذبوه . ولكنه البث والشكوى إلى الناصر المعين , وطلب النصفة , ورد الأمر إلى صاحب الأمر: (فافتح بيني وبينهم فتحا)يضع الحد الأخير للبغي والتكذيب: (ونجني ومن معي من المؤمنين). .
واستجاب الله لنبيه الذي يتهدده الطغيان بالرجم , لأنه يدعو الناس إلى تقوى الله , وطاعة رسوله , لا يطلب على ذلك أجرا , ولا يبتغي جاها ولا مالا:
(فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون . ثم أغرقنا بعد الباقين). .
هكذا في إجمال سريع . يصور النهاية الأخيرة للمعركة بين الإيمان والطغيان في فجر البشرية . ويقرر مصير كل معركة تالية في تاريخ البشرية الطويل .
ثم يجيء التعقيب المكرور في السورة عقب كل آية من آيات الله العزيز الرحيم:
(إن في ذلك لآية . وما كان أكثرهم مؤمنين . وإن ربك لهو العزيز الرحيم). .