في خاطر القوم أن هذه المصانع وما ينشؤونه بوساطتها من البنيان كافية لحمايتهم من الموت , ووقايتهم من مؤثرات الجو ومن غارات الأعداء . ويمضي هود في استنكار ما عليه قومه:
(وإذا بطشتم بطشتم جبارين). .
فهم عتاة غلاظ , يتجبرون حين يبطشون ; ولا يتحرجون من القسوة في البطش . شأن المتجبرين المعتزين بالقوة المادية التي يملكون .
وهنا يردهم إلى تقوى الله وطاعة رسوله , لينهنه من هذه الغلظة الباطشة المتجبرة:
(فاتقوا الله وأطيعون).
ويذكرهم نعمة الله عليهم بما يستمتعون به ويتطاولون ويتجبرون . وكان الأجدر بهم أن يتذكروا فيشكروا , ويخشوا أن يسلبهم ما أعطاهم , وأن يعاقبهم على ما أسرفوا في العبث والبطش والبطر الذميم !
(واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون . أمدكم بأنعام وبنين . وجنات وعيون . إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم). .
وهكذا يذكرهم بالمنعم والنعمة على وجه الإجمال أولا: (أمدكم بما تعلمون). وهو حاضر بين أيديهم , يعلمونه ويعرفونه ويعيشون فيه , ثم يفصل بعض التفصيل:(أمدكم بأنعام وبنين , وجنات وعيون)وهي النعم المعهودة في ذلك العهد ; وهي نعمة في كل عهد . . ثم يخوفهم عذاب يوم عظيم . في صورة الإشفاق عليهم من ذلك العذاب . فهو أخوهم , وهو واحد منهم , وهو حريص ألا يحل بهم عذاب ذلك اليوم الذي لا شك فيه .
ولكن هذه التذكرة وهذا التخويف , لا يصلان إلى تلك القلوب الجاسية الفظة الغليظة . فإذا الإصرار والعناد والاستهتار .
(قالوا:سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين). .
فما يعنينا أن تعظ أو ألا تكون أصلا من الواعظين ! وهو تعبير فيه استهانة واستهتار وجفوة . يتبعه ما يشي بالجمود والتحجر والاعتماد على التقليد !
(إن هذا إلا خلق الأولين . . وما نحن بمعذبين). .
فحجتهم فيما هم عليه , وفيما يستنكره عليهم هود , أنه خلق الأولين ونهجهم . وهم يسيرون على نهج الأولين ! ثم إنهم لينفون احتمال العذاب على خلق الأولين !(وما نحن بمعذبين)!
ولا يستطرد السياق هنا في تفصيل ما ثار بينهم وبين رسولهم من جدل ; فيمضي قدما إلى النهاية:
(فكذبوه فأهلكناهم). .
وفي كلمتين اثنتين ينتهي الأمر ; ويطوى قوم عاد الجبارون ; وتطوى مصانعهم التي يتخذون ; ويطوى ما كانوا فيه من نعيم , من أنعام وبنين وجنات وعيون !
وكم من أمة بعد عاد ظلت تفكر على هذا النحو , وتغتر هذا الغرور , وتبعد عن الله كلما تقدمت في الحضارة , وتحسب أن الإنسان قد أصبح في غنية عن الله ! وهي تنتج من أسباب الدمار لغيرها , والوقاية لنفسها , ما تحسبه واقيا لها من أعدائها . . ثم تصبح وتمسي فإذا العذاب يصب عليها من فوقها ومن تحتها . عن أي طريق .
(إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين . وإن ربك لهو العزيز الرحيم). .