وكذلك الشأن في قوله:(ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون). . فإن ذكره هنا ليس للخوف من المواجهة , والتخلي عن التكليف . ولكن له علاقة بالإرسال إلى هارون . حتى إذا قتلوه قام هارون من بعده قام هارون من بعده بالرسالة , وأتم الواجب كما أمره ربه دون تعويق .
فهو الاحتياط للدعوة لا للداعية . الاحتياط من أن يحتبس لسانه في الأولى وهو في موقف المنافحة عن رسالة ربه وبيانها , فتبدوا الدعوة ضعيفة قاصرة . والاحتياط من أن يقتلوه في الثانية فتتوقف دعوة ربه التي كلف أداءها وهو على إبلاغها واطرادها حريص . وهذا هو الذي يليق بموسى - عليه السلام - الذي صنعه الله على عينه , واصطنعه لنفسه .
ولما علمه ربه من حرصه هذا وإشفاقه واحتياطه أجابه إلى ما سأل , وطمأنه مما يخاف . والتعبير هنا يختصر مرحلة الاستجابة , ومرحلة الإرسال إلى هارون , ومرحلة وصول موسى إلى مصر ولقائه لهارون ; ويبرز مشهد موسى وهارون مجتمعين يتلقيان أمر ربهما الكريم , في نفس اللحظة التي يطمئن الله فيها موسى , وينفي مخاوفه نفيا شديدا , في لفظه تستخدم أصلا للردع وهي كلمة(كلا)!
(قال:كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون . فأتيا فرعون فقولا:إنا رسول رب العالمين . أن أرسل معنا بني إسرائيل).
كلا . لن يضيق صدرك ويحتبس لسانك . وكلا لن يقتلوك . فأبعد هذا كله عن بالك بشدة . واذهب أنت وأخوك . (فاذهبا بآياتنا)وقد شهد موسى منها العصا واليد البيضاء - والسياق يختصرهما هنا لأن التركيز في هذه السورة موجه إلى موقف المواجهة وموقف السحرة وموقف الغرق والنجاة . اذهبا (إنا معكم مستمعون)فأية قوة ? وأي سلطان ? وأي حماية ورعاية وأمان ? والله معهما ومع كل إنسان في كل لحظة وفي كل مكان . ولكن الصحبة المقصودة هنا هي صحبة النصر والتأييد . فهو يرسمها في صورة الاستماع , الذي هو أشد درجات الحضور والانتباه . وهذا كناية عن دقة الرعاية وحضور المعونة . وذلك على طريقة القرآن في التعبير بالتصوير .
اذهبا (فأتيا فرعون)فأخبراه بمهمتكما في غير حذر ولا تلجلج: (فقولا:إنا رسول رب العالمين)وهما اثنان ولكنهما يذهبان في مهمة واحدة برسالة واحدة . فهما رسول . رسول رب العالمين . في وجه فرعون الذي يدعي الألوهية , ويقول لقومه: (ما علمت لكم من إله غيري)فهي المواجهة القوية الصريحة بحقيقة التوحيد منذ اللحظة الأولى , بلا تدرج فيها ولا حذر . فهي حقيقة واحدة لا تحتمل التدرج والمداراة .
(إنا رسول رب العالمين . أن أرسل معنا بني إسرائيل). . وواضح من هذا ومن أمثاله في قصة موسى - عليه السلام - في القرآن , أنه لم يكن رسولا إلى فرعون وقومه ليدعوهم إلى دينه ويأخذهم بمنهج رسالته . إنما كان رسولا إليهم ليطلب إطلاق بني إسرائيل ليعبدوا ربهم كما يريدون . وقد كانوا أهل دين منذ أبيهم إسرائيل - وهو يعقوب أبو يوسف عليهما السلام - فبهت هذا الدين في نفوسهم , وفسدت عقائدهم فأرسل الله إليهم موسى لينقذهم من ظلم فرعون ويعيد تربيتهم على دين التوحيد .
الدرس الثاني:18 - 37 المواجهة بين موسى وفرعون
وإلى هنا نحن أمام مشهد البعثة والوحي والتكليف . ولكن الستار يسدل . لنجدنا أمام مشهد المواجهة . وقد اختصر ما هو مفهوم بين المشهدين على طريقة العرض القرآنية الفنية:
(قال ألم نربك فينا وليدا , ولبثت فينا من عمرك سنين ? وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين ?