وبعد أن يلمس قلوبهم هذه اللمسات الموقظة يناديهم إلى التقوى , وإلى الطاعة , وإلى مخالفة الملأ الجائرين البعيدين عن الحق والقصد , الميالين إلى الفساد والشر .
(فاتقوا الله وأطيعون . ولا تطيعوا أمر المسرفين . الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون). .
ولكن هذه اللمسات وهذه النداءات لا تصل إلى تلك القلوب الجاسية الجافية , فلا تصغي لها ولا تلين:
(قالوا:إنما أنت من المسحرين . ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين). .
إنما أنت ممن سحرت عقولهم فهم يهرفون بما لا يعرفون ! كأنما الدعوة إلى الله لا يدعوها إلا مجنون !
(ما أنت إلا بشر مثلنا). . وتلك هي الشبهة التي ظلت تخايل للبشرية كلما جاءها رسول . فقد كان تصور البشرية القاصر للرسول عجيبا دائما ; وما كانت تدرك حكمة الله في أن يكون الرسول بشرا , وما كانت تدرك كذلك تكريم هذا الجنس البشري باختيار الرسل منه ليكونوا رواد البشرية المتصلين بمصدر الهدى والنور .
وكانت البشرية تتصور الرسول خلقا آخر غير البشر . أو هكذا ينبغي أن يكون ; ما دام يأتي إليها بخبر السماء , وخبر الغيب , وخبر العالم المحجوب عن البشر . . ذلك أنها ما كانت تدرك سر هذا الإنسان الذي كرمه الله به , وهو أنه موهوب القدرة على الاتصال بالملأ الأعلى وهو على هذه الأرض مقيم . يأكل وينام ويتزوج ويمشي في الأسواق . ويعالج ما يعالجه سائر البشر من المشاعر والنوازع , وهو متصل بذلك السر العظيم .
وكانت البشرية جيلا بعد جيل تطلب خارقة معجزة من الرسول تدل على أنه حقا مرسل من الله: فأت بآية إن كنت من الصادقين . . وهكذا طلبت ثمود تلك الخارقة , فاستجاب الله لعبده صالح , وأعطاه هذه الخارقة في صورة ناقة ; لا نخوض في وصفها كما خاض المفسرون القدامى , لأنه ليس لدينا سند صحيح نعتمد عليه في هذا الوصف . فنكتفي بأنها كانت خارقة كما طلبت ثمود .
(قال:هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم . ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم). .
لقد جاءهم بالناقة , على شرط أن يكون الماء الذي يستقون منه يوما للناقة ويوما لهم , لا يجورون عليها في يومها , ولا تجور عليهم في يومهم , ولا يختلط شرابها بشرابهم , كما لا يختلط يومها بيومهم . ولقد حذرهم أن ينالوها بسوء على الإطلاق , وإلا أخذهم عذاب يوم عظيم .
فماذا فعلت الآية الخارقة بالقوم المتعنتين ? إنها لم تسكب الإيمان في القلوب الجافة ; ولم تطلع النور في الأرواح المظلمة . على الرغم من قهرها لهم وتحديهم بها . وإنهم لم يحفظوا عهدهم , ولم يوفوا بشرطهم:
(فعقروها فأصبحوا نادمين).
والعقر:النحر . والذين عقروها منهم هم الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون ولقد حذرهم منهم صالح وأنذرهم فلم يخشوا النذير . ومن ثم كتبت خطيئتها على الجميع , وكان الجميع مؤاخذين بهذا الإثم العظيم .
ولقد ندم القوم على الفعلة , ولكن بعد فوات الأوان وتصديق النذير:
(فأخذهم العذاب). . ولا يفصل نوعه هنا للمسارعة والتعجيل !
ثم يجيء التعقيب: إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين . وإن ربك لهو العزيز الرحيم . .