وهذه قصة شعيب - ومكانها التاريخي قبل قصة موسى - تجيء هنا في مساق العبرة كبقية القصص في هذه السورة . وأصحاب الأيكة هم - غالبا - أهل مدين . والأيكة الشجر الكثيف الملتف . ويبدو أن مدين كانت تجاورها هذه الغيضة الوريفة من الأشجار . وموقع مدين بين الحجاز وفلسطين حول خليج العقبة .
وقد بدأهم شعيب بما بدأ به كل رسول قومه من أصل العقيدة والتعفف عن الأجر , ثم أخذ يواجههم بما هو من خاصة شأنهم:
(أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين , وزنوا بالقسطاس المستقيم , ولا تبخسوا الناس أشياءهم , ولا تعثوا في الأرض مفسدين).
وقد كان شأنهم - كما ذكر في سورتي الأعراف وهود - أن يطففوا في الميزان والمكيال , وأن يأخذوا بالقسر والغصب زائدا عن حقهم , ويعطوا أقل من حق الناس , ويشتروا بثمن بخس ويبيعوا بثمن مرتفع . ويبدو أنهم كانوا في ممر قوافل التجارة , فكانوا يتحكمون فيها . وقد أمرهم رسولهم بالعدل والقسط في هذا كله , لأن العقيدة الصحيحة يتبعها حسن المعاملة . ولا تستطيع أن تغضي عن الحق والعدل في معاملات الناس .
ثم استجاش شعيب مشاعر التقوى في نفوسهم , وهو يذكرهم بخالقهم الواحد . خالق الأجيال كلها والسابقين جميعا:
(واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين).
فما كان منهم إلا أن يطلقوا عليه الاتهام بأنه مسحور , فهو يخلط ويهذي بما يقول:
(قالوا:إنما أنت من المسحرين). .
وإلا أن يستنكروا رسالته . فهو بشر مثلهم , وما هكذا - في زعمهم - يكون الرسول . ويرمونه بالكذب فيما يقول:
(وما أنت إلا بشر مثلنا . وإن نظنك لمن الكاذبين).
وإلا أن يتحدوه أن يأتيهم بما يخوفهم به من العذاب إن كان صادقا فيما يدعيه ; وأن يسقط عليهم رجوما من السماء , أو يحطمها عليهم ويسقطها قطعا:
(فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين). .
وهو تحدي المستهتر الهازى ء المستهين ! وهو شبيه بتحدي المشركين للرسول الكريم . .
(قال:ربي أعلم بما تعملون). .
ويعجل السياق بالنهاية دون تفصيل ولا تطويل .
(فكذبوه . فأخذهم عذاب يوم الظلة . إنه كان عذاب يوم عظيم). .
قيل:أخذهم حر خانق شديد يكتم الأنفاس ويثقل الصدور . ثم تراءت لهم سحابة , فاستظلوا بها ; فوجدوا