من النار . يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار . فإني والله لا أملك لكم من الله شيئا . إلا أن لكم رحما سأبلها ببلالها " . . . فهذه الأحاديث وغيرها تبين كيف تلقى رسول الله [ ص ] الأمر , وكيف أبلغه لعشيرته الأقربين , ونفض يده من أمرهم , ووكلهم إلى ربهم في أمر الآخرة , وبين لهم أن قرابتهم له لا تنفعهم شيئا إذا لم ينفعهم عملهم , وأنه لا يملك لهم من الله شيئا , وهو رسول الله . . وهذا هو الإسلام في نصاعته ووضوحه , ونفي الوساطة بين الله وعباده حتى عن رسوله الكريم .
كذلك بين الله لرسوله كيف يعامل المؤمنين الذين يستجيبون لدعوة الله على يديه:
(واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين). .
فهو اللين والتواضع والرفق في صورة حسية مجسمة . صورة خفض الجناح , كما يخفض الطائر جناحيه حين يهم بالهبوط . وكذلك كان رسول الله [ ص ] مع المؤمنين طوال حياته فقد كان خلقه القرآن . وكان هو الترجمة الحية الكاملة للقرآن الكريم .
وكذلك بين الله له كيف يعامل العصاة فيكلهم إلى ربهم , ويبرأ مما يعملون:
(فإن عصوك فقل:إني بريء مما تعملون). .
وكان هذا في مكة , قبل أن يؤمر الرسول [ ص ] بقتال المشركين .
ثم يتوجه به [ ص ] إلى ربه , يصله به صلة الرعاية الدائمة القريبة:
(وتوكل على العزيز الرحيم . الذي يراك حين تقوم . وتقلبك في الساجدين . إنه هو السميع العليم).
دعهم وعصيانهم , متبرئا من أعمالهم , وتوجه إلى ربك معتمدا عليه , مستعينا في أمرك كله به . ويصفه - سبحانه - بالصفتين المكررتين في هذه السورة:العزة والرحمة . ثم يشعر قلب الرسول [ ص ] بالأنس والقربى . فربه يراه في قيامه وحده للصلاة , ويراه في صفوف الجماعة الساجدة . يراه في وحدته ويراه في جماعة المصلين يتعهدهم وينظمهم ويؤمهم ويتنقل بينهم . يرى حركاته وسكناته , ويسمع خطراته ودعواته: (إنه هو السميع العليم). .
وفي التعبير على هذا النحو إيناس بالرعاية والقرب والملاحظة والعناية . وهكذا كان رسول الله [ ص ] يشعر أنه في كنف ربه , وفي جواره وقربه . وفي جو هذا الأنس العلوي كان يعيش . .
الدرس الرابع:220 - 227 الصلة بين الشياطين والشعراء الغاوين
والجولة الأخيرة في السورة حول القرآن أيضا . ففي المرة الأولى أكد أنه تنزيل من رب العالمين . نزل به الروح الأمين . وفي المرة الثانية نفى أن تتنزل به الشياطين . أما في هذه المرة فيقرر أن الشياطين لا تتنزل على مثل محمد [ ص ] في أمانته وصدقه وصلاح منهجه ; إنما تتنزل على كل كذاب آثم ضال من الكهان الذي يتلقون إيحاءات الشياطين ويذيعونها مع التضخيم والتهويل:
(هل أنبئكم على من تنزل الشياطين ? تنزل على كل أفاك أثيم . يلقون السمع وأكثرهم كاذبون). .
وكان في العرب كهان يزعمون أن الجن تنقل إليهم الأخبار , وكان الناس يلجأون إليهم ويركنون إلى نبوءاتهم .
وأكثرهم كاذبون . والتصديق بهم جري وراء الأوهام والأكاذيب . وهم على أية حال لا يدعون إلى هدى ,