ولا يأمرون بتقوى , ولا يقودون إلى إيمان . وما هكذا كان رسول الله [ ص ] وهو يدعو الناس بهذا القرآن إلى منهج قويم . ولقد كانوا يقولون عن القرآن أحيانا:إنه شعر , ويقولون عن النبي [ ص ] إنه شاعر . وهم في حيرتهم كيف يواجهون هذا القول الذي لا يعرفون له نظيرا , والذي يدخل إلى قلوب الناس , ويهز مشاعرهم , ويغلبهم على إرادتهم من حيث لا يملكون له ردا .
فجاء القرآن يبين لهم في هذه السورة أن منهج محمد [ ص ] ومنهج القرآن غير منهج الشعراء ومنهج الشعر أصلا . فإن هذا القرآن يستقيم على نهج واضح , ويدعو إلى غاية محددة , ويسير في طريق مستقيم إلى هذه الغاية . والرسول [ ص ] لا يقول اليوم قولا ينقضه غدا , ولا يتبع أهواء وانفعالات متقلبة ; إنما يصر على دعوة , ويثبت على عقيدة , و يدأب على منهج لا عوج فيه . والشعراء ليسوا كذلك . الشعراء أسرى الانفعالات والعواطف المتقلبة . تتحكم فيهم مشاعرهم وتقودهم إلى التعبير عنها كيفما كانت . ويرون الأمر الواحد في لحظة أسود . وفي لحظة أبيض . يرضون فيقولون قولا , ويسخطون فيقولون قولا آخر . ثم هم آصحاب أمزجة لا تثبت على حال !
هذا إلى أنهم يخلقون عوالم من الوهم يعيشون فيها , ويتخيلون أفعالا ونتائج ثم يخالونها حقيقة واقعة يتأثرون بها . فيقل اهتمامهم بواقع الأشياء , لأنهم يخلقون هم في خيالهم واقعا آخر يعيشون عليه !
وليس كذلك صاحب الدعوة المحددة , الذي يريد تحقيقها في عالم الواقع ودنيا الناس . فلصاحب الدعوة هدف , وله منهج , وله طريق . وهو يمضي في طريقه على منهجه إلى هدفه مفتوح العين , مفتوح القلب , يقظ العقل ; لا يرضى بالوهم , ولا يعيش بالرؤى , ولا يقنع بالأحلام , حتى تصبح واقعا في عالم الناس .
فمنهج الرسول [ ص ] ومنهج الشعراء مختلفان , ولا شبهة هناك , فالأمر واضح صريح:
(والشعراء يتبعهم الغاوون . ألم تر أنهم في كل واد يهيمون . وأنهم يقولون ما لا يفعلون ?!).
فهم يتبعون المزاج والهوى ومن ثم يتبعهم الغاوون الهائمون مع الهوى , الذين لا منهج لهم ولا هدف .
وهم يهيمون في كل واد من وديان الشعور والتصور والقول , وفق الانفعال الذي يسيطر عليهم في لحظة من اللحظات تحت وقع مؤثر من المؤثرات .
وهم يقولون ما لا يفعلون . لأنهم يعيشون في عوالم من صنع خيالهم ومشاعرهم , يؤثرونها على واقع الحياة الذي لا يعجبهم ! ومن ثم يقولون أشياء كثيرة ولا يفعلونها , لأنهم عاشوها في تلك العوالم الموهومة , وليس لها واقع ولا حقيقة في دنيا الناس المنظورة !
إن طبيعة الإسلام - وهو منهج حياة كامل معد للتنفيذ في واقع الحياة , وهو حركة ضخمة في الضمائر المكنونة وفي أوضاع الحياة الظاهرة - إن طبيعة الإسلام هذه لا تلائمها طبيعة الشعراء كما عرفتهم البشرية - في الغالب - لأن الشاعر يخلق حلما في حسه ويقنع به . فأما الإسلام فيريد تحقيق الحلم ويعمل على تحقيقه , ويحول المشاعر كلها لتحقق في عالم الواقع ذلك النموذج الرفيع .
والإسلام يحب للناس أن يواجهوا حقائق الواقع ولا يهربوا منها إلى الخيال المهوم . فإذا كانت هذه الحقائق لا تعجبهم , ولا تتفق مع منهجه الذي يأخذهم به , دفعهم إلى تغييرها , وتحقيق المنهج الذي يريد .