ومن ثم لا تبقى في الطاقة البشرية بقية للأحلام المهومة الطائرة . فالإسلام يستغرق هذه الطاقة في تحقيق الأحلام الرفيعة , وفق منهجه الضخم العظيم .
ومع هذا فالإسلام لا يحارب الشعر والفن لذاته - كما قد يفهم من ظاهر الألفاظ . إنما يحارب المنهج الذي سار عليه الشعر والفن . منهج الأهواء والانفعالات التي لا ضابط لها ; ومنهج الأحلام المهومة التي تشغل أصحابها عن تحقيقها . فأما حين تستقر الروح على منهج الإسلام , وتنضح بتأثراتها الإسلامية شعرا وفنا ; وتعمل في الوقت ذاته على تحقيق هذه المشاعر النبيلة في دنيا الواقع ; ولا تكتفي بخلق عوالم وهمية تعيش فيها , وتدع واقع الحياة كما هو مشوها متخلفا قبيحا !
وأما حين يكون للروح منهج ثابت يهدف إلى غاية إسلامية , وحين تنظر إلى الدنيا فتراها من زاوية الإسلام , في ضوء الإسلام , ثم تعبر عن هذا كله شعرا وفنا .
فأما عند ذلك فالإسلام لا يكره الشعر ولا يحارب الفن , كما قد يفهم من ظاهر الألفاظ .
ولقد وجه القرآن القلوب والعقول إلى بدائع هذا الكون , وإلى خفايا النفس البشرية . وهذه وتلك هي مادة الشعر والفن . وفي القرآن وقفات أمام بدائع الخلق والنفس لم يبلغ إليها شعر قط في الشفافية والنفاذ والاحتفال بتلك البدائع وذلك الجمال .
ومن ثم يستثني القرآن الكريم من ذلك الوصف العام للشعراء:
(إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات , وذكروا الله كثيرا , وانتصروا من بعد ما ظلموا). .
فهؤلاء ليسوا داخلين في ذلك الوصف العام . هؤلاء آمنوا فامتلأت قلوبهم بعقيدة , واستقامت حياتهم على منهج . وعملوا الصالحات فاتجهت طاقاتهم إلى العمل الخير الجميل , ولم يكتفوا بالتصورات والأحلام . وانتصروا من بعد ما ظلموا فكان لهم كفاح ينفثون فيه طاقتهم ليصلوا إلى نصرة الحق الذي اعتنقوه .
ومن هؤلاء الشعراء الذين نافحوا عن العقيدة وصاحبها في إبان المعركة مع الشرك والمشركين على عهد رسول الله [ ص ] حسان بن ثابت , وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة - رضي الله عنهم - من شعراء الأنصار , ومنهم عبد الله بن الزبعرى , وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وقد كانا يهجوان رسول الله [ ص ] في جاهليتهما , فلما أسلما حسن إسلامهما ومدحا رسول الله ونافحا عن الإسلام .
وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله [ ص ] قال لحسان:" اهجهم - أو قال هاجهم - وجبريل معك " . . وعن عبد الرحمن بن كعب عن أبيه أنه قال للنبي [ ص ] إن الله عز وجل قد أنزل في الشعراء ما أنزل . فقال رسول الله [ ص ]:" إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به نضح النبل " [ رواه الإمام أحمد ]
والصور التي يتحقق بها الشعر الإسلامي والفن الإسلامي كثيرة غير هذه الصورة التي وجدت وفق مقتضياتها . وحسب الشعر أو الفن أن ينبع من تصور إسلامي للحياة في أي جانب من جوانبها , ليكون شعرا أو فنا يرضاه الإسلام .
وليس من الضروري أن يكون دفاعا ولا دفعا ; ولا أن يكون دعوة مباشرة للإسلام ولا تمجيدا له أو لأيام الإسلام ورجاله . . ليس من الضروري أن يكون في هذه الموضوعات ليكون شعرا إسلاميا . وإن نظرة إلى سريان الليل وتنفس الصبح , ممزوجة بشعور المسلم الذي يربط هذه المشاهد بالله في حسه لهي الشعر الإسلامي
في صميمه . وإن لحظة إشراق واتصال بالله , أو بهذا الوجود الذي أبدعه الله , لكفيلة أن تنشئ شعرا يرضاه الإسلام . ومفرق الطريق أن للإسلام تصورا خاصا للحياة كلها , وللعلاقات والروابط فيها . فأيما شعر نشأ من هذا التصور فهو الشعر الذي يرضاه الإسلام .
وتختم السورة بهذا التهديد الخفي المجمل:
(وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون). .
السورة التي اشتملت على تصوير عناد المشركين ومكابرتهم , واستهتارهم بالوعيد واستعجالهم بالعذاب . كما اشتملت على مصارع المكذبين على مدار الرسالات والقرون .
تنتهي بهذا التهديد المخيف . الذي يلخص موضوع السورة . وكأنه الإيقاع الأخير المرهوب ; يتمثل في صور شتى , يتمثلها الخيال ويتوقعها . وتزلزل كيان الظالمين زلزالا شديدا .