الدرس الأول: (واتل عليهم نبأ إبراهيم , إذ قال لأبيه وقومه:ما تعبدون ?). .
اتل عليهم نبأ إبراهيم الذي يزعمون أنهم ورثته , وأنهم يتبعون ديانته . اتله عليهم وهو يستنكر ما كان يعبده أبوه وقومه من أصنام كهذه الأصنام التي يعبدها المشركون في مكة ; وهو يخالف أباه وقومه فى شركهم , وينكر عليهم ما هم عليه من ضلال , ويسألهم في عجب واستنكار: (ما تعبدون ?).
(قالوا:نعبد أصناما فنظل لها عاكفين)!
وهم كانوا يسمون أصنامهم آلهة . فحكاية قولهم:إنها أصنام . تنبى ء بأنهم لم يكونوا يملكون إنكار أنها أصنام منحوتة من الحجر , وأنهم مع ذلك يعكفون لها , ويدأبون على عبادتها . وهذه نهاية السخف . ولكن العقيدة متى زاغت لم يفطن أصحابها إلى ما تنحط إليه عبادتهم وتصوراتهم ومقولاتهم !
ويأخذ إبراهيم - عليه السلام - يوقظ قلوبهم الغافية , وينبه عقولهم المتبلدة , إلى هذا السخف الذي يزاولونه دون وعي ولا تفكير:
(قال هل يسمعونكم إذ تدعون ? أو ينفعونكم أو يضرون ?)
فأقل ما يتوفر لإله يعبد أن يكون له سمع كعابده الذي يتوجه إليه بالعبادة والابتهال ! وهذه الأصنام لا تسمع عبادها وهم يتوجهون إليها بالعبادة , ويدعونها للنفع والضر . فإن كانت صماء لا تسمع فهل هي تملك النفغ والضر ? لا هذا ولا ذاك يمكن أن يدعوه !
ولم يجب القوم بشيء عن هذا فهم لا يشكون في أن إبراهيم إنما يتهكم ويستنكر ; وهم لا يملكون حجة لدفع ما يقول . فإذا تكلموا كشفوا عن التحجر الذي يصيب المقلدين بلا وعي ولا تفكير:
(قالوا:بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون). .
إن هذه الأصنام لا تسمع ولا تضر ولا تنفع . ولكنا وجدنا آباءنا يعكفون عليها , فعكفنا عليها وعبدناها !
وهو جواب مخجل . ولكن المشركين لم يخجلوا أن يقولوه , كما لم يخجل المشركون في مكة أن يفعلوه . فقد كان فعل الآباء لأمر كفيلا باعتباره دون بحث ; بل لقد كان من العوائق دون الإسلام أن يرجع المشركون عن دين آبائهم , فيخلوا باعتبار أولئك الآباء , ويقروا أنهم كانوا على ضلال . وهذا مالا يجوز في حق الذاهبين ! وهكذا تقوم مثل هذه الاعتبارات الجوفاء فى وجه الحق , فيؤثرونها على الحق , في فترات التحجر العقلي والنفسي والانحراف التي تصيب الناس , فيحتاجون معها إلى هزة قوية تردهم إلى التحرر والانطلاق والتفكير .
وأمام ذلك التحجر لم يجد إبراهيم - على حلمه وأناته - إلا أن يهزهم بعنف , ويعلن عداوته للأصنام , وللعقيدة الفاسدة التي تسمح بعبادتها لمثل تلك الاعتبارات !
(قال:أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون ? فإنهم عدو لي إلا رب العالمين). .
وهكذا لم يمنعه أن أباه وأن قومه يعبدون ما يعبدون , أن يفارقهم بعقيدته , وأن يجاهر بعدائه لآلهتهم وعقيدتهم , هم وآباؤهم - وهم آباؤه - الأقدمون !
وكذلك يعلم القرآن المؤمنين أن لا مجاملة في العقيدة لوالد ولا لقوم ; وأن الرابطة الأولى هي رابطة العقيدة , وأن القيمة الأولى هي قيمة الإيمان . وأن ما عداه تبع له يكون حيث يكون .
واستثنى إبراهيم (رب العالمين)من عدائه لما يعبدون هم وآباؤهم الأقدمون:(فإنهم عدو لي إلا رب العالمين). . فقد يكون من آبائهم الأقدمين من عبد الله , قبل أن تفسد عقيدة القوم وتنحرف ; وقد يكون من عبد الله ولكن