أشرك معه آلهة أخرى مدعاة . فهو الاحتياط إذن في القول , والدقة الواعية في التعبير , الجديران بإبراهيم - عليه السلام - في مجال التحدث عن العقيدة وموضوعها الدقيق . ثم يأخذ إبراهيم - عليه السلام - في صفة ربه . رب العالمين . وصلته به في كل حال وفي كل حين . فنحس القربى الوثيقة , والصلة الندية , والشعور بيد الله في كل حركة ونأمة , وفي كل حاجة وغاية .
(الذي خلقني فهو يهدين . والذي هو يطعمني ويسقين . وإذا مرضت فهو يشفين . والذي يميتني ثم يحيين . والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين). .
ونستشعر من صفة إبراهيم لربه , واسترساله في تصوير صلته به , أنه يعيش بكيانه كله مع ربه . وأنه يتطلع إليه في ثقة , ويتوجه إليه في حب ; وأنه يصفه كأنه يراه , ويحس وقع إنعامه وإفضاله عليه بقلبه ومشاعره وجوارحه . . والنغمة الرخية في حكاية قوله في القرآن تساعد على إشاعة هذا الجو وإلقاء هذا الظل , بالإيقاع العذب الرخي اللين المديد . .
(الذي خلقني فهو يهدين). . الذي أنشأني من حيث يعلم ولا أعلم ; فهو أعلم بماهيتي وتكويني , ووظائفي ومشاعري , وحالي ومآلي: (فهو يهدين)إليه , وإلى طريقي الذي أسلكه , وإلى نهجي الذي أسير عليه . وكأنما يحس إبراهيم - عليه السلام - أنه عجينة طيعة في يد الصانع المبدع , يصوغها كيف شاء , على أي صورة أراد . إنه الاستسلام المطلق في طمأنينة وراحة وثقة ويقين .
(والذي هو يطعمني ويسقين . وإذا مرضت فهو يشفين). . فهي الكفالة المباشرة الحانية الراعية , الرفيقة الودود , يحس بها إبراهيم في الصحة والمرض . ويتأدب بأدب النبوة الرفيع , فلا ينسب مرضه إلى ربه - وهو يعلم أنه بمشيئة ربه يمرض ويصح - إنما يذكر ربه في مقام الإنعام والإفضال إذ يطعمه ويسقيه . . ويشفيه . . ولا يذكره في مقام الابتلاء حين يبتليه .
(والذي يميتني ثم يحيين). . فهو الإيمان بأن الله هو الذي يقضي الموت , وهو الإيمان بالبعث والنشور في استسلام ورضى عميق .
(والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين). . فأقصى ما يطمع فيه إبراهيم - عليه السلام - النبي الرسول , الذي يعرف ربه هذه المعرفة , ويشعر بربه هذا الشعور , ويحس في قرارة نفسه هذه القربى . . أقصى ما يطمع فيه أن يغفر له ربه خطيئته يوم الدين . فهو لا يبرىء نفسه , وهو يخشى أن تكون له خطيئة , وهو لا يعتمد على عمله , ولا يرى أنه يستحق بعمله شيئا , إلا أنه يطمع في فضل ربه , ويرجو في رحمته , وهذا وحده هو الذي يطمعه في العفو والمغفرة .
إنه شعور التقوى , وشعور الأدب , وشعور التحرج ; وهو الشعور الصحيح بقيمة نعمة الله وهي عظيمة عظيمة , وقيمة عمل العبد وهو ضئيل ضئيل .
وهكذا يجمع إبراهيم في صفة ربه عناصر العقيدة الصحيحة:توحيد الله رب العالمين . والإقرار بتصريفه للبشر في أدق شؤون حياتهم على الأرض . والبعث والحساب بعد الموت وفضل الله وتقصير العبد . وهي العناصر التي ينكرها قومه , وينكرها المشركون .
ثم يأخذ إبراهيم الأواه المنيب في دعاء رخي مديد , يتوجه به إلى ربه في إيمان وخشوع ;
(رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين . واجعل لي لسان صدق في الآخرين . واجعلني من ورثة جنة النعيم .