واغفر لأبي إنه كان من الضالين . ولا تخزني يوم يبعثون . يوم لا ينفع مال ولا بنون , إلا من أتى الله بقلب سليم). والدعاء كله ليس فيه طلب لعرض من أعراض هذه الأرض ; ولا حتى صحة البدن . إنه دعاء يتجه إلى آفاق أعلى ; تحركه مشاعر أصفى . ودعاء القلب الذي عرف الله فأصبح يحتقر ما عداه . والذي ذاق فهو يطلب المزيد ; والذي يرجو ويخاف في حدود ما ذاق وما يريد .
(رب هب لي حكما). . أعطني الحكمة التي أعرف بها القيم الصحيحة والقيم الزائفة , فأبقى على الدرب يصلني بما هو أبقى .
(وألحقني بالصالحين). . يقولها إبراهيم النبي الكريم الأواه الحليم . فيا للتواضع ! ويا للتحرج ! ويا للإشفاق من التقصير ! ويا للخوف من تقلب القلوب ! ويا للحرص على مجرد اللحاق بالصالحين ! بتوفيق من ربه إلى العمل الصالح الذي يلحقه بالصالحين !
(واجعل لي لسان صدق في الآخرين). . دعوة تدفعه إليها الرغبة في الامتداد , لا بالنسب ولكن بالعقيدة ; فهو يطلب إلى ربه أن يجعل له فيمن يأتون أخيرا لسان صدق يدعوهم إلى الحق , ويردهم إلى الحنيفية السمحاء دين إبراهيم . ولعلها هي دعوته في موضع آخر . إذ يرفع قواعد البيت الحرام هو وابنه إسماعيل ثم يقول: ربنا واجعلنا مسلمين لك . ومن ذريتنا أمة مسلمة لك , وأرنا مناسكنا , وتب علينا , إنك أنت التواب الرحيم . ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك , ويعلمهم الكتاب والحكمة , ويزكيهم , إنك أنت العزيز الحكيم . . وقد استجاب الله له , وحقق دعوته , وجعل له لسان صدق في الآخرين , وبعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم . . وكانت الاستجابة بعد آلاف من السنين . هي في عرف الناس أمد طويل , وهي عند الله أجل معلوم , تقتضي حكمته أن تتحقق الدعوة المستجابة فيه .
(واجعلني من ورثة جنة النعيم). . وقد دعا ربه - من قبل - أن يلحقه بالصالحين , بتوفيقه إلى العمل الصالح , الذي يسلكه في صفوفهم . وجنة النعيم يرثها عباد الله الصالحون .
(واغفر لأبي إنه كان من الضالين). . ذلك على الرغم مما لقيه إبراهيم - عليه السلام - من أبيه من غليظ القول وبالغ التهديد . ولكنه كان قد وعده أن يستغفر له , فوفى بوعده . وقد بين القرآن فيما بعد أنه لا يجوز الاستغفار للمشركين ولو كانوا أولي قربى ; وقرر أن إبرهيم استغفر لأبيه بناء على موعدة وعدها إياه(فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه)وعرف أن القرابة ليست قرابة النسب , إنما هي قرابة العقيدة . . وهذه إحدى مقومات التربية الإسلامية الواضحة . فالرابطة الأولى هي رابطة العقيدة في الله , ولا تقوم صلة بين فردين من بني البشر إلا على أساسها . فإذا قطعت هذه الصلة انبتت سائر الوشائج ; وكانت البعدى التي لا تبقى معها صلة ولا وشيجة .
(ولا تخزني يوم يبعثون , يوم لا ينفع مال ولا بنون , إلا من أتى الله بقلب سليم). . ونستشف من قولة إبراهيم - عليه السلام -:(ولا تخزني يوم يبعثون)مدى شعوره بهول اليوم الآخر ; ومدى حيائه من ربه , وخشيته من الخزي أمامه , وخوفه من تقصيره . وهو النبي الكريم . كما نستشف من قوله:(يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم). مدى إدراكه لحقيقة ذلك اليوم . وإدراكه كذلك لحقيقة القيم . فليست هنالك من قيمة في يوم الحساب إلا قيمة الإخلاص . إخلاص القلب كله لله , وتجرده من كل شائبة , ومن كل مرض , ومن كل غرض . وصفائه من الشهوات والانحرافات . وخلوه من التعلق بغير الله . فهذه سلامته التي