تجعل له قيمة ووزنا(يوم لا ينفع مال ولا بنون); ولا ينفع شيء من هذه القيم الزائلة الباطلة , التي يتكالب عليها المتكالبون في الأرض ; وهي لا تزن شيئا في الميزان الأخير ! وهنا يرد مشهد من مشاهد القيامة يرسم ذلك اليوم الذي يتقيه إبراهيم ; فكأنما هو حاضر , ينظر إليه ويراه , وهو يتوجه لربه بذلك الدعاء الخاشع المنيب:
وأزلفت الجنة للمتقين . وبرزت الجحيم للغاوين . وقيل لهم:أين ما كنتم تعبدون من دون الله ? هل ينصرونكم أو ينتصرون ? فكبكبوا فيها هم والغاوون , وجنود إبليس أجمعون . قالوا وهم فيها يختصمون:تالله إن كنا لفي ضلال مبين . إذ نسويكم برب العالمين . وما أضلنا إلا المجرمون . فما لنا من شافعين ولا صديق حميم . فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين ! .
لقد قربت الجنة وعرضت للمتقين , الذين كانوا من عذاب ربهم مشفقين . ولقد كشفت الجحيم وأبرزت للغاوين , الذين ضلوا الطريق وكذبوا بيوم الدين , وإنهم لعلى مشهد من الجحيم يقفون . حيث يسمعون التقريع والتأنيب , قبل أن يكبكبوا في الجحيم . . إنهم يسألون عما كانوا يعبدون من دون الله - وذلك تساوق مع قصة إبراهيم وقومه وما كان بينه وبينهم من حوار عما كانوا يعبدون - إنهم ليسألون اليوم: (أين ما كنتم تعبدون من دون الله ?)أين هم (هل ينصرونكم أو ينتصرون ?)ثم لا يسمع منهم جواب , ولا ينتظر منهم جواب . إنما هو سؤال لمجرد التقريع والتأنيب(فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود إبليس أجمعون). . كبكبوا . . وإننا لنكاد نسمع من جرس اللفظ صوت تدفعهم وتكفئهم وتساقطهم بلا عناية ولا نظام , وصوت الكركبة الناشئ من الكبكبة , كما ينهار الجرف فتتبعه الجروف . فهو لفظ مصور بجرسه لمعناه . وإنهم لغاوون ضالون , وقد كبكب معهم جميع الغاوون . هم(وجنود إبليس أجمعون). والجميع جنود إبليس . فهو تعميم شامل بعد تخصيص .
ثم نستمع إليهم في الجحيم . . إنهم يقولون لآلهتهم من الأصنام:(تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين)فنعبدكم عبادته . إما معه وإما من دونه . الآن يقولونها بعد فوات الأوان ! وهم يلقون التبعة على المجرمين منهم , الذين أضلوهم وصدوهم عن الهدى . ثم يفيقون فيعلمون أن الأوان قد فات , وأنه لا جدوى من توزيع التبعات:(فما لنا من شافعين ولا صديق حميم)فلا آلهة تشفع , ولا صداقات تنفع . . وإذا لم تكن شفاعة فيما مضى أفلا رجعة إلى الدنيا لنصلح ما فاتنا فيها ?(فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين)! وما هو إلا التمني . فلا رجعة ولا شفاعة فهذا يوم الدين !
ثم يجيء التعقيب المعهود:(إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين . وإن ربك لهو العزيز الرحيم). .
وهو نفس التعقيب الذي جاء في السورة بعد عرض مصارع عاد وثمود وقوم لوط . كما جاء تعقيبا على كل آية من آيات الله وقعت للمكذبين . فهذا المشهد من مشاهد القيامة عوض في سياق السورة عن مصارع المكذبين في الدنيا . إذ يصور نهاية قوم إبراهيم . ونهاية الشرك كافة . وهو موضع العبرة في قصص السورة جميعا . ومشاهد القيامة في القرآن تعرض كأنها واقعة , وكأنما تشهدها الأبصار حين تتلى , وتتملاها المشاعر , وتهتز بها الوجدانات . كالمصارع التي تمت على أعين الناس وهم يشهدون .
الوحدة الرابعة:105 - 122 الموضوع:لقطات من قصة نوح عليه السلام