بها من دلالة , حتى استحقت أن يقسم بها الجليل العظيم . ومشاهد الكون وظواهره إطلاقا بينها وبين القلب الإنساني لغة سرية ! متعارف عليها في صميم الفطرة وأغوار المشاعر . وبينها وبين الروح الإنساني تجاوب ومناجاة بغير نبرة ولا صوت , وهي تنطق للقلب , وتوحي للروح , وتنبض بالحياة المأنوسة للكيان الإنساني الحي , حيثما التقى بها وهو مقبل عليها , متطلع عندها إلى الأنس والمناجاة والتجاوب والإيحاء .
ومن ثم يكثر القرآن من توجيه القلب إلى مشاهد الكون بشتى الأساليب , في شتى المواضع . تارة بالتوجيهات المباشرة , وتارة باللمسات الجانبية كهذا القسم بتلك الحقائق والمشاهد , ووضعها إطارا لما يليها من الحقائق . وفي هذا الجزء بالذات لاحظنا كثرة هذه التوجيهات واللمسات كثرة ظاهرة . فلا تكاد سورة واحدة تخلو من إيقاظ القلب لينطلق إلى هذا الكون , يطلب عنده التجاوب والإيحاء . ويتلقى عنه - بلغة السر المتبادل - ما ينطق به من دلائل وما يبثه من مناجاة !
وهنا نجد القسم الموحي بالشمس وضحاها . . بالشمس عامة وحين تضحى وترتفع عن الأفق بصفة خاصة . وهي أروق ما تكون في هذه الفترة وأحلى . في الشتاء يكون وقت الدفء المستحب الناعش . وفي الصيف يكون وقت الإشراق الرائق قبل وقدة الظهيرة وقيظها . فالشمس في الضحى في أروق أوقاتها وأصفاها . وقد ورد أن المقصود بالضحى هو النهار كله , ولكنا لا نرى ضرورة للعدول عن المعنى القريب للضحى . وهو ذو دلالة خاصة كما رأينا .
وبالقمر إذا تلاها . . إذا تلا الشمس بنوره اللطيف الشفيف الرائق الصافي . . وبين القمر والقلب البشري ود قديم موغل في السرائر والأعماق , غائر في شعاب الضمير , يترقرق ويستيقظ كلما التقى به القلب في اية حال . وللقمر همسات وإيحاءات للقلب , وسبحات وتسبيحات للخالق , يكاد يسمعها القلب الشاعر في نور القمر المنساب . . وإن القلب ليشعر أحيانا أنه يسبح في فيض النور الغامر في الليلة القمراء , ويغسل أدرانه , ويرتوي , ويعانق هذا النور الحبيب ويستروح فيه روح الله .
ويقسم بالنهار إذا جلاها . . مما يوحي بأن المقصود بالضحى هو الفترة الخاصة لا كل النهار . والضمير في(جلاها). . الظاهر أن يعود إلى الشمس المذكورة في السياق . . ولكن الإيحاء القرآني يشي بأنه ضمير هذه البسيطة . وللأسلوب القرآني إيحاءات جانبية كهذه مضمرة في السياق لأنها معهودة في الحس البشري , يستدعيها التعبير استدعاء خفيا . فالنهار يجلي البسيطة ويكشفها . وللنهار في حياة الإنسان آثاره التي يعلمها . وقد ينسى الإنسان بطول التكرار جمال النهار وأثره . فهذه اللمسة السريعة في مثل هذا السياق توقظه وتبعثه للتأمل في هذه الظاهرة الكبرى .
ومثله:(والليل إذا يغشاها). . والتغشية هي مقابل التجلية . والليل غشاء يضم كل شيء ويخفيه . وهو مشهد له في النفس وقع . وله في حياة الإنسان أثر كالنهار سواء .
ثم يقسم بالسماء وبنائها:(والسماء وما بناها). .(وما)هنا مصدرية . ولفظ السماء حين يذكر يسبق إلى الذهن هذا الذي نراه فوقنا كالقبة حيثما اتجهنا , تتناثر فيه النجوم والكواكب السابحة في أفلاكها ومداراتها . فأما حقيقة السماء فلا ندريها . وهذا الذي نراه فوقنا متماسكا لا يختل ولا يضطرب تتحقق فيه صفة البناء بثباته وتماسكه . أما كيف هو مبني , وما الذي يمسك أجزاءه فلا تتناثر وهو سابح في الفضاء الذي لا نعرف له أولا ولا آخرا . . فذلك ما لا ندريه . وكل ما قيل عنه مجرد نظريات قابلة للنقض والتعديل . ولا قرار لها ولا ثبات . .