وينتقل من هذه الحقيقة . حقيقة الكتاب المنزل بالحق والعدل . إلى ذكر الساعة . والمناسبة بين هذا وهذه حاضرة , فالساعة هي موعد الحكم العدل والقول الفصل . والساعة غيب . فمن ذا يدري إن كانت على وشك:
(وما يدريك لعل الساعة قريب ?). .
والناس عنها غافلون , وهي منهم قريب , وعندها يكون الحساب القائم على الحق والعدل , الذي لا يهمل فيه شيء ولا يضيع . .
ويصور موقف المؤمنين من الساعة وموقف غير المؤمنين:
(يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها , والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق). .
والذين لا يؤمنون بها لا تحس قلوبهم هولها , ولا تقدر ما ينتظرهم فيها ; فلا عجب يستعجلون بها مستهترين . لأنهم محجوبون لا يدركون . وأما الذين آمنوا فهم مستيقنون منها , ومن ثم هم يشفقون ويخافون , وينتظرونها بوجل وخشية , وهم يعرفون ما هي حين تكون .
وإنها لحق . وإنهم ليعلمون أنها الحق . وبينهم وبين الحق صلة فهم يعرفون .
(ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد). .
فقد أوغلوا في الضلال وأبعدوا , فعسير أن يعودوا بعد الضلال البعيد . .
وينتقل من الحديث عن الآخرة والإشفاق منها أو الاستهتار بها , إلى الحديث عن الرزق الذي يتفضل الله به على عباده:
(الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز). .
وتبدو المناسبة بعيدة في ظاهر الأمر بين هذه الحقيقة وتلك . ولكن الصلة تبدو وثيقة عند قراءة الآية التالية:
من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه , ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب . .
فالله لطيف بعباده يرزق من يشاء . يرزق الصالح والطالح , والمؤمن والكافر . فهؤلاء البشر أعجز من أن يرزقوا أنفسهم شيئاً ; وقد وهبهم الله الحياة , وكفل لهم اسبابها الأولية ; ولو منع رزقه عن الكافر والفاسق والطالح ما استطاعوا أن يرزقوا أنفسهم ولماتوا جوعاً وعرياً وعطشاً , وعجزاً عن اسباب الحياة الأولى , ولما تحققت حكمة الله من إحيائهم وإعطائهم الفرصة ليعملوا في الحياة الدنيا ما يحسب لهم في الآخرة أو عليهم . ومن ثم أخرج الرزق من دائرة الصلاح والطلاح , والإيمان والكفر , وعلقه باسبابه الموصولة بأوضاع الحياة العامة واستعدادات الأفراد الخاصة . وجعله فتنة وابتلاء . يجزي عليهما الناس يوم الجزاء .
ثم جعل الآخرة حرثا والدنيا حرثا يختار المرء منهما ما يشاء . فمن كان يريد حرث الآخرة عمل فيه , وزاد له الله في حرثه , وأعانه عليه بنيته , وبارك له فيه بعمله . وكان له مع حرث الآخرة رزقه المكتوب له في هذه الأرض لا يحرم منه شيئاً . بل إن هذا الرزق الذي يعطاه في الأرض قد يكون هو بذاته حرث الآخرة بالقياس إليه , حين يرجو وجه الله في تثميره وتصريفه والاستمتاع به والإنفاق منه . . ومن كان يريد حرث الدنيا أعطاه الله من عرض الدنيا رزقه المكتوب له لا يحرم منه شيئاً . ولكن لم يكن له في الآخرة نصيب . فهو لم يعمل في حرث الآخرة شيئاً ينتظر عليه ذلك النصيب !
ونظرة إلى طلاب حرث الدنيا وطلاب حرث الآخرة , تكشف عن الحماقة في إرادة حرث الدنيا ! فرزق الدنيا