يتلطف الله فيمنحه هؤلاء وهؤلاء . فلكل منهما نصيبه من حرث الدنيا وفق المقدور له في علم الله . ثم يبقى حرث الآخرة خالصا لمن أراده وعمل فيه . ومن طلاب حرث الدنيا نجد الأغنياء والفقراء ; بحسب أسباب الرزق المتعلقة بالأوضاع العامة والاستعدادات الخاصة . وكذلك نجد الحال عند طلاب حرث الآخرة سواء بسواء . ففي هذه الأرض لا اختلاف بين الفريقين في قضية الرزق . إنما يظهر الاختلاف والامتياز هناك ! فمن هو الأحمق الذي يترك حرث الآخرة . وتركه لا يغير من أمره شيئاً في هذه الحياة ?!
والأمر في النهاية مرتبط بالحق والميزان الذي نزل به الكتاب من عند الله . فالحق والعدل ظاهران في تقدير الرزق لجميع الأحياء . وفي زيادة حرث الآخرة لمن يشاء . وفي حرمان الذين يريدون حرث الدنيا من حرث الآخرة يوم الجزاء . . .
الدرس السادس:21 - 23 إنكار الشرك وثواب المؤمنين وعذاب الكافرين والوصية بالقربى
ومن ثم يبدأ جولة أخرى حول الحقيقة الأولى:
أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ? ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم , وإن الظالمين لهم عذاب أليم . ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم , والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات , لهم ما يشاءون عند ربهم , ذلك هو الفضل الكبير . ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات , قل:لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ; ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسناً , إن الله غفور شكور . .
في فقرة سابقة قرر أن ما شرعه الله للأمة المسلمة هو ما وصى به نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى , وهو ما أوحى به إلى محمد [ ص ] وفي هذه الفقرة يتساءل في استنكار عما هم فيه وما هم عليه , من ذا شرعه لهم ما دام الله لم يشرعه ? وهو مخالف لما شرعه منذ أن كان هناك رسالات وتشريعات ?
(أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ?). .
وليس لأحد من خلق الله أن يشرع غير ما شرعه الله وأذن به كائنا من كان ; فالله وحده هو الذي يشرع لعباده . بما أنه - سبحانه - هو مبدع هذا الكون كله , ومدبره بالنواميس الكلية الكبرى التي اختارها له . والحياة البشرية إن هي إلا ترس صغير في عجلة هذا الكون الكبير , فينبغي أن يحكمها تشريع يتمشى مع تلك النواميس ; ولا يتحقق هذا إلا حين يشرع لها المحيط بتلك النواميس . وكل من عدا الله قاصر عن تلك الإحاطة بلا جدال . فلا يؤتمن على التشريع لحياة البشر مع ذلك القصور .
ومع وضوح هذه الحقيقة إلى حد البداهة ; فإن الكثيرين يجادلون فيها , أو لا يقتنعون بها , وهم يجرؤون على استمداد التشريع من غير ما شرع الله , زاعمين أنهم يختارون الخير لشعوبهم , ويوائمون بين ظروفهم والتشريع الذي ينشئونه من عند أنفسهم . كأنما هم أعلم من الله وأحكم من الله ! أو كأنما لهم شركاء من دون الله يشرعون لهم ما لم يأذن به الله ! وليس أخيب من ذلك ولا أجرأ على الله !
لقد شرع الله للبشرية ما يعلم سبحانه , أنه يتناسق مع طبيعتها وفطرتها . وطبيعة الكون الذي تعيش فيه وفطرته . ومن ثم يحقق لهذه البشرية اقصى درجات التعاون فيما بينها , والتعاون كذلك مع القوى الكونية الكبرى . شرع في هذا كله أصولاً , وترك للبشر فقط استنباط التشريعات الجزئية المتجددة مع حاجات الحياة المتجددة , في حدود المنهج الكلي والتشريعات العامة . فإذا ما اختلف البشر في شيء من هذا ردوه إلى الله ; ورجعوا به إلى تلك
الأصول الكلية التي شرعها للناس , لتبقى ميزاناً يزن به البشر كل تشريع جزئي وكل تطبيق . بذلك يتوحد مصدر التشريع , ويكون الحكم لله وحده . وهو خير الحاكمين . وما عدا هذا النهج فهو خروج على شريعة الله , وعلى دين الله , وعلى ما وصى به نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمداً عليهم الصلاة والسلام .
(ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم). .
فقد قال الله كلمة الفصل بإمهالهم إلى يوم القول الفصل . ولولاها لقضى الله بينهم , فأخذ المخالفين لما شرعه الله , المتبعين لشرع من عداه . لأخذهم بالجزاء العاجل . ولكنه أمهلهم ليوم الجزاء .
(وإن الظالمين لهم عذاب أليم). .
فهذا هو الذي ينتظرهم جزاء الظلم . وهل أظلم من المخالفة عن شرع الله إلى شرع من عداه ?
ومن ثم يعرض هؤلاء الظالمين في مشهد من مشاهد القيامة . يعرضهم مشفقين خائفين من العذاب وكانوا من قبل لا يشفقون , بل يستعجلون ويستهترون:
(ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم). .
والتعبير العجيب يجعل إشفاقهم (مما كسبوا)فكأنما هو غول مفزع ; وهو هو الذي كسبوه وعملوه بأيديهم وكانوا به فرحين ! ولكنهم اليوم يشفقون منه ويفزعون (وهو واقع بهم). . وكأنه هو بذاته انقلب عذابا لا مخلص منه , وهو واقع بهم !
وفي الصفحة الأخرى نجد المؤمنين الذين كانوا يشفقون من هذا اليوم ويخافون . نجدهم في أمن وعافية ورخاء:
والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات , لهم ما يشاءون عند ربهم . ذلك هو الفضل الكبير . ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات . .
والتعبير كله رُخاء يرسم ظلال الرخاء: (في روضات الجنات). . (لهم ما يشاءون عند ربهم)بلا حدود ولا قيود . (ذلك هو الفضل الكبير). . (ذلك الذي يبشر الله عباده)فهو بشرى حاضرة , مصداقاً للبشرى السالفة . وظل البشرى هنا هو أنسب الظلال .
وعلى مشهد هذا النعيم الرخاء الجميل الظليل يلقن الرسول [ ص ] أن يقول لهم:إنه لا يطلب منهم أجراً على الهدى الذي ينتهي بهم إلى هذا النعيم , وينأى بهم عن ذلك العذاب الأليم . إنما هي مودته لهم لقرابتهم منه , وحسبه ذلك أجراً:
(قل:لا أسألكم عليه أجرا . إلا المودة في القربى . ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا . إن الله غفور شكور). .
والمعنى الذي أشرت إليه , وهو أنه لا يطلب منهم أجرا , إنما تدفعه المودة للقربى - وقد كانت لرسول الله [ ص ] قرابة بكل بطن من بطون قريش - ليحاول هدايتهم بما معه من الهدى , ويحقق الخير لهم إرضاء لتلك المودة التي يحملها لهم , وهذا أجره وكفى !
هذا المعنى هو الذي انقدح في نفسي وأنا أقرأ هذا التعبير القرآني في مواضعه التي جاء فيها . وهناك تفسير مروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أثبته هنا لوروده في صحيح البخاري:
قال البخاري حدثنا محمد بن بشار , حدثنا محمد بن جعفر , حدثنا شعبة عن عبدالملك بن ميسرة , قال: