متجاوزين للحق , ظالمين لا تقفون عند حد .
(فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون). .
فاستحققنا نحن وأنتم العذاب , وحق علينا الوعيد بأن نذوق العذاب .
وقد انزلقتم معنا بسبب استعدادكم للغواية , وما فعلنا بكم إلا أنكم اتبعتمونا في غوايتنا:
(فأغويناكم إنا كنا غاوين). .
وهنا يرد تعليق آخر , وكأنه حكم يعلن على رؤوس الأشهاد , يحمل أسبابه , ويعرض ما كان منهم في الدنيا مما حقق قول الله عليهم في الآخرة:
فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون . إنا كذلك نفعل بالمجرمين . إنهم كانوا إذا قيل لهم:لا إله إلا الله يستكبرون ; ويقولون:أإنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون .
ثم يكمل التعليق متوجهاً فيه بالتأنيب والتقبيح لقائلي هذا الكلام المرذول:
بل جاء بالحق وصدق المرسلين . إنكم لذائقو العذاب الأليم . وما تجزون إلا ما كنتم تعملون . إلا عباد الله المخلصين . .
وعلى ذكر عباد الله المخلصين - الذين استثناهم من تذوق العذاب الأليم - يعرض صفحة هؤلاء العباد المخلصين في يوم الدين . ويعود العرض متبعاً نسق الإخبار المصور للنعيم الذي يتقلبون في أعطافه - في مقابل ذلك العذاب الأليم للمكذبين -:
(أولئك لهم رزق معلوم . فواكه وهم مكرمون . في جنات النعيم . على سرر متقابلين . يطاف عليهم بكأس من معين . بيضاء لذة للشاربين . لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون . وعندهم قاصرات الطرف عين . كأنهن بيض مكنون . . .).
وهو نعيم مضاعف يجمع كل مظاهر النعيم . نعيم تستمتع به النفس ويستمتع به الحس . وتجد فيه كل نفس ما تشتهيه من ألوان النعيم .
فهم - أولاً - عباد الله المخلصون . وفي هذه الإشارة أعلى مراتب التكريم . وهم - ثانياً -(مكرمون)في الملأ الأعلى . وياله من تكريم ! ثم إن لهم(فواكه)وهم على (سرر متقابلين). وهم يخدمون فلا يتكلفون شيئاً من الجهد في دار الراحة والرضوان والنعيم:(يطاف عليهم بكأس من معين . بيضاء لذة للشاربين . لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون). . وتلك أجمل أوصاف الشراب , التي تحقق لذة الشراب , وتنفي عقابيله . فلا خمار يصدع الرؤوس , ولا منع ولا انقطاع يذهب بلذة المتاع !(وعندهم قاصرات الطرف عين)حور حييات لا تمتد أبصارهن إلى غير أصحابهن حياء وعفة , مع أنهن(عين)واسعات جميلات العيون ! وهن كذلك مصونات مع رقة ولطف ونعومة:(كأنهن بيض مكنون). . لا تبتذله الأيدي ولا العيون !
ثم يمضي في الحكاية المصورة ; فإذا عباد الله المخلصون هؤلاء - بعد ما يسرت لهم كل ألوان المتاع - ينعمون بسمر هادىء , يتذاكرون فيه الماضي والحاضر - وذلك في مقابل التخاصم والتلاحي الذي يقع بين المجرمين في أول المشهد - وإذا أحدهم يستعيد ماضيه , ويقص على إخوانه طرفاً مما وقع له:
قال قائل منهم:إني كان لي قرين . يقول:أإنك لمن المصدقين . أإذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أإنا لمدينون ? . .
لقد كان صاحبه وقرينه ذاك يكذب باليوم الآخر , ويسائله في دهشة:أهو من المصدقين بأنهم مبعوثون