وفوق نعمة الذكر والنور والهداية والصلاح , وعد بنعيم الجنات خالدين فيها أبدا . وتذكير بأن هذا الرزق هو أحسن الرزق , فلا يقاس إليه رزق الأرض: (قد أحسن الله له رزقا). . وهو الرازق في الدنيا والآخرة , ولكن رزقا خير من رزق , واختياره للأحسن هو الاختيار الحق الكريم . وهكذا يلمس نقطة الرزق مرة أخرى , ويهون بهذه الإشارة من رزق الأرض , إلى جانب رزق الجنة . بعدما وعد في المقاطع الأولى بسعة رزق الأرض أيضا . .
الدرس السادس:12 الله الخالق للسماوات والأرض العالم بما فيها
وفي الختام يجيء ذلك الإيقاع الكوني الهائل , فيربط موضوع السورة وتشريعاتها وتوجيهاتها بقدر الله وقدرة الله , وعلم الله , في المجال الكوني العريض:
(الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن , يتنزل الأمر بينهن , لتعلموا أن الله على كل شيء قدير , وأن الله قد أحاط بكل شيء علما). .
والسماوات السبع لا علم لنا بحقيقة مدلولها وأبعادها ومساحاتها . وكذلك الأراضي السبع . فقد تكون أرضنا هذه التي نعرفها واحدة منهن والباقيات في علم الله . وقد يكون معنى مثلهن أن هذه الأرض من جنس السماوات فهي مثلهن في تركيبها أو خصائصها . . وعلى أية حال فلا ضرورة لمحاولة تطبيق هذه النصوص على ما يصل إليه علمنا , لأن علمنا لا يحيط بالكون , حتى نقول على وجه التحقيق:هذا ما يريده القرآن . ولن يصح أن نقول هكذا إلا يوم يعلم الإنسان تركيب الكون كله علما يقينيا . . وهيهات . . !
فننتفع بإيحاء هذه الإشارة إلى تلك الحقيقة في مجالها النفسي , وفي إنشاء التصور الإيماني الكوني الصحيح .
والإشارة إلى هذا الكون الهائل: (سبع سماوات ومن الأرض مثلهن). . يهول الحس ويقف القلب وجها لوجه أمام مشهد من مشاهد قدرة الخالق , وسعة ملكه , تصغر أمامه هذه الأرض كلها , فضلا على بعض ما فيها , فضلا على حادث من أحداثها . فضلا على دريهمات ينفقها الزوج أو تتنازل عنها الزوجة !
وبين هذه السماوات السبع والأرض أو الأرضين السبع يتنزل أمر الله - ومنه هذا الأمر الذي هم بصدده في هذا السياق . فهو أمر هائل إذن , حتى بمقاييس البشر وتصوراتهم في المكان والزمان بقدر ما يطيقون التصور . والمخالفة عنه مخالفة عن أمر تتجاوب به أقطار السماوات والأرضين , ويتسامع به الملأ الأعلى وخلق الله الأخرون في السماوات والأرضين . فهي مخالفة بلقاء شنعاء , لا يقدم عليها ذو عقل مؤمن , جاءه رسول يتلو عليه آيات الله مبينات , ويبين له هذا الأمر , ليخرجه من الظلمات إلى النور . .
وهذا الأمر يتنزل بين السماوات والأرض , لينشئ في قلب المؤمن عقيدة أن الله على كل شيء قدير ; فلا يعجزه شيء مما يريد . وأنه أحاط بكل شيء علما ; فلا يند عن علمه شيء مما يكون في ملكه الواسع العريض , ولا مما يسرونه في حنايا القلوب .
ولهذه اللمسة قيمتها هنا من وجهين:
الأول أن الله الذي أحاط بكل شيء علما هو الذي يأمر بهذه الأحكام . فقد أنزلها وهو يحيط بكل ظروفهم وملابساتهم ومصالحهم واستعداداتهم . فهي أولى بالاتباع لا يلتفتون عنها أدنى التفات ; وهي من وضع العليم المحيط بكل شيء علما .
والثاني أن هذه الأحكام بالذات موكولة إلى الضمائر , فالشعور بعلم الله واطلاعه على كل شيء هو الضمان