في الظهور . وهي حركة غليظة تليق بالخائضين اللاعبين , الذين لا يجدون , ولا ينتبهون إلى ما يجري حولهم من الأمور . فيساقون سوقا ويدفعون في ظهورهم دفعا . حتى إذا وصل بهم الدفع والدع إلى حافة النار قيل لهم:(هذه النار التي كنتم بها تكذبون !). .
وبينما هم في هذا الكرب , بين الدع والنار التي تواجههم على غير إرادة منهم . يجيئهم الترذيل والتأنيب , والتلميح إلى ما سبق منهم من التكذيب:(أفسحر هذا ? أم أنتم لا تبصرون ?). فقد كانوا يقولون عن القرآن:إنه سحر . فهل هذه النار التي يرونها كذلك سحر ?! أم إنه الحق الهائل الرعيب ? أم إنهم لا يبصرون هذه النار كما كانوا لا يبصرون الحق في القرآن الكريم ?!
وحين ينتهي هذا التأنيب الساخر المرير يعاجلهم بالتيئيس البئيس .(اصلوها . فاصبروا أو لا تصبروا . سواء عليكم . إنما تجزون ما كنتم تعملون). .
وليس أقسى على منكوب بمثل هذه النكبة . من أن يعلم أن الصبر وعدم الصبر سواء . فالعذاب واقع , ما له من دافع . وألمه واحد مع الصبر ومع الجزع . والبقاء فيه مقرر سواء صبر عليه أم هلع . . والعلة أنه جزاء على ما كان من عمل . فهو جزاء له سببه الواقع فلا تغيير فيه ولا تبديل !
وبذلك ينتهي هذا المشهد الرعيب ; كما ينتهي الشوط الأول بإيقاعه العنيف .
الدرس الثاني:17 - 28 مشاهد من نعيم المتقين في الجنة
أما الشوط الثاني فهو مثير للحس , ولكن بما فيه من رخاء ورغد , وهتاف بالمتاع لا يقاوم , وبخاصة بعد مشهد العذاب البئيس:
(إن المتقين في جنات ونعيم . فاكهين بما آتاهم ربهم , ووقاهم ربهم عذاب الجحيم . كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون . متكئين على سرر مصفوفة وزوجناهم بحور عين . والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان , ألحقنا بهم ذريتهم , وما ألتناهم من عملهم من شيء , كل امرئ بما كسب رهين . وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون , يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ولا تأثيم . ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون . وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون . قالوا:إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين ; فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم . إنا كنا من قبل ندعوه , إنه هو البر الرحيم). .
والمشهد أقرب إلى مشاهد النعيم الحسي , الذي يخاطب المشاعر في أول العهد , والذي يجتذب النفوس بلذائذ الحس في صورتها المصفاة . وهو مقابل لذلك العذاب الغليظ التي تواجه به القلوب الجاسية والقلوب اللاهية كذلك:
(إن المتقين في جنات ونعيم . فاكهين بما آتاهم ربهم , ووقاهم ربهم عذاب الجحيم). .
ومجرد الوقاية من عذاب الجحيم الذي عرضت مشاهده في هذه السورة فضل ونعمة . فكيف ومعه (جنات ونعيم)? وهم يلتذون ما آتاهم ربهم ويتفكهون ?
ومع النعيم ولذته التهنئة والتكريم:
(كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون). .
وهذا بذاته متاع أكرم . وهم ينادون هذا النداء العلوي , ويعلن استحقاقهم لما هم فيه:
(متكئين على سرر مصفوفة). . منسقة يجدون فيها لذة التجمع بإخوانهم في هذا النعيم: (وزوجناهم بحور