عين). . وهذه تمثل أمتع ما يجول في خواطر البشر من متاع جميل . ويمضي التكريم خطوة فإذا ذريتهم المؤمنة تجتمع إليهم في هذا النعيم , زيادة في الرعاية والعناية . ولو كانت أعمال الذرية أقل من مستوى مقام المتقين , ما دامت هذه الذرية مؤمنة . وذلك دون أن ينقص شيء من أعمال الآباء ودرجاتهم . ودون إخلال بفردية التبعة وحساب كل بعمله الذي كسبه , إنما هو فضل الله على الجميع:
(والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم . وما ألتناهم من عملهم من شيء . كل امرئ بما كسب رهين). .
ويستطرد المشهد يعرض ألوان المناعم واللذائذ في ذلك النعيم . فإذا فاكهة ولحم مما يشتهون . وإذا هم يتعاطون فيها كأسا ليست كخمر الدنيا تطلق اللغو والهذر من الشفاه والألسنة , وتشيع الإثم والمعصية في الحس والجوارح . إنما هي مصفاة مبرأة: (لا لغو فيها ولا تأثيم). . وهم يتجاذبونها بينهم ويتعاطونها مجتمعين , زيادة في الإيناس واللذة والنعيم . في حين يقوم على خدمتهم ويطوف بالكأس عليهم غلمان صباح أبرياء , فيهم نظافة , وفيهم صيانة , وفيهم نداوة: (كأنهم لؤلؤ مكنون)مما يضاعف إيناس المجلس اللطيف في الجوارح والقلوب .
واستكمالا لجو المشهد المأنوس يعرض سمرهم فيما بينهم , وتذاكرهم ماضيهم , وأسباب ما هم فيه من أمن ورضى ورخاء ورغد وأنس ونعيم . فيكشف للقلوب عن سر هذا المتاع , ويشير إلى الطريق المؤدي إلى هذا النعيم:
(وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون . قالوا:إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين . فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم . إنا كنا من قبل ندعوه , إنه هو البر الرحيم). .
السر إذن أنهم عاشوا على حذر من هذا اليوم . عاشوا في خشية من لقاء ربهم . عاشوا مشفقين من حسابه . عاشوا كذلك وهم في أهلهم , حيث الأمان الخادع . ولكنهم لم ينخدعوا . وحيث المشغلة الملهية . ولكنهم لم ينشغلوا .
عندئذ من الله عليهم ووقاهم عذاب السموم , الذي يتخلل الأجساد كالسم الحار اللاذع ! وقاهم هذا العذاب منة منه وفضلا , لما علم من تقواهم وخشيتهم وإشفاقهم . وهم يعرفون هذا . ويعرفون أن العمل لا يدخل صاحبه الجنة إلا بمنة من الله وفضل . فما يبلغ العمل أكثر من أن يشهد لصاحبه أنه بذل جهده , ورغب فيما عند الله . وهذا هو المؤهل لفضل الله .
وقد كانوا مع الإشفاق والحذر والتقوى يدعون الله: (إنا كنا من قبل ندعوه). . وهم يعرفون من صفاته البر بعباده والرحمة بعبيده: (إنه هو البر الرحيم). .
وكذلك ينكشف سر الوصول في تناجي هؤلاء الناجين المكرمين في دار النعيم .
الدرس الثالث:29 - 44 توجيهات للرسول وأدلة على الوحدانية
والأن وقد تلقى الحس سياط العذاب العنيف في الشوط الأول ; وتلقى هتاف النعيم الرغيد في الشوط الثاني ; وتوفزت بهذا وذلك حساسيته لتلقي الحقائق . . فإن السياق يعاجله بحملة سريعة الإيقاعات . يطارده فيها بالحقائق الصادعة , ويتعقب وساوسه في مسارب نفسه في صورة استفهامات استنكارية , وتحديات قوية , لا يثبت لها الكيان البشري حين تصل إليه من أي طريق:
(فذكر . فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون . أم يقولون:شاعر نتربص به ريب المنون ? قل:تربصوا