فإني معكم من المتربصين . أم تأمرهم أحلامهم بهذا ? أم هم قوم طاغون ? أم يقولون:تقوله ? بل لا يؤمنون . فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين . أم خلقوا من غير شيء ? أم هم الخالقون ? أم خلقوا السماوات والأرض ? بل لا يوقنون . أم عندهم خزائن ربك ? أم هم المسيطرون ? أم لهم سلم يستمعون فيه ? فليأت مستمعهم بسلطان مبين . أم له البنات ولكم البنون ? أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون ? أم عندهم الغيب فهم يكتبون ? أم يريدون كيدا ? فالذين كفروا هم المكيدون . أم لهم إله غير الله ? سبحان الله عما يشركون . وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا:سحاب مركوم). . (فذكر). . والخطاب للرسول [ ص ] ليظل في تذكيره لا يثنيه سوء أدبهم معه , وسوء اتهامهم له . وقد كانوا يقولون عنه مرة:إنه كاهن . ويقولون عنه مرة:إنه مجنون . ويجمع بين الوصفين عندهم ما كان شائعا بينهم أن الكهان يتلقون عن الشياطين . وأن الشيطان كذلك يتخبط بعض الناس , فيصابون بالجنون . فالشيطان هو العامل المشترك بين الوصفين:كاهن أو مجنون ! وكان يحملهم على وصف النبي [ ص ] بهذا الوصف أو ذاك , أو بقولهم إنه شاعر أو ساحر . كان يحملهم على هذا كله موقفهم مبهوتين أمام القرآن الكريم المعجز الذي يبدههم بما لم يعهدوا من القول , وهم أهل القول ! ولما كانوا لا يريدون - لعلة في نفوسهم - أن يعترفوا أنه من عند الله , فقد احتاجوا أن يعللوا مصدره المتفوق على البشر . فقالوا:إنه من إيحاء الجن أو بمساعدتهم . فصاحبه إما كاهن يتلقى من الجن , أو ساحر يستعين بهم , أو شاعر له رئي من الجن , أو مجنون به مس من الشيطان ينطقه بهذا القول العجيب !
وإنها لقولة فظيعة شنيعة . فالله - سبحانه - يسلي رسوله عنها , ويصغر من شأنها في نفسه . وهو يشهد له أنه محوط بنعمة ربه , التي لا تكون معها كهانة ولا جنون: (فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون). .
ثم يستنكر قولهم:إنه شاعر:(أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون ?). . وقد قالوها . وقال بعضهم لبعض:اصبروا عليه , واثبتوا على ما أنتم فيه , حتى يأتيه الموت , فيريحنا منه ! وتواصوا أن يتربصوا به الموت المريح . ومن ثم يلقن الرسول [ ص ] أن يرد عليهم في تهديد ملفوف:(قل:تربصوا . فإني معكم من المتربصين). . وستعلمون من تكون له العاقبة , ومن ينتهي به التربص إلى النصر والظهور .
ولقد كان شيوخ قريش يلقبون بذوي الحلوم . أو ذوي الأحلام . إشارة إلى رجاحة عقولهم وحكمتهم في تصريف الأمور . فهو يتهكم بهم وبأحلامهم تجاه الإسلام . وموقفهم منه ينافي الحكمة والعقل , فيسأل في تهكم:أهذه الأوصاف التي يصفون بها محمدا [ ص ] وتلك المواقف التي يقفونها من رسالته كانت من وحي أحلامهم ? أم أنهم طغاة ظالمون لا يقفون عند ما تمليه الأحلام والعقول:
(أم تأمرهم أحلامهم بهذا ? أم هم قوم طاغون)!
وفي السؤال الأول تهكم لاذع . وفي السؤال الثاني اتهام مزر . وواحد منهما لا بد لاحق بهم في موقفهم المريب !
ولقد تطاولت ألسنتهم على رسول الله [ ص ] فاتهموه بافتراء ما يقول . فهو هنا يسأل في استنكار:إن كانوا يقولون:تقوله:كأن هذه الكلمة لا يمكن أن تقال . فهو يسأل عنها في استنكار: (أم يقولون تقوله ?). . ويبادر ببيان علة هذا القول الغريب: (بل لا يؤمنون). فعدم استشعار قلوبهم للإيمان , هو الذي ينطقهم بمثل هذا القول ; بعد أن يحجبهم عن إدراك حقيقة هذا القرآن . ولو أدركوها لعلموا أنه ليس من صنع بشر ; وأنه لا يحمله إلا صادق أمين .