والعذاب والرحمة يتبعان مشيئة الله ; من حيث أنه بين طريق الهدى وطريق الضلال ; وخلق للإنسان من الاستعداد ما يختار به هذا أو ذاك , ويسر له الطريقين سواء , وهو بعد ذلك , وما يختار غير أن اتجاهه إلى الله ورغبته في هداه , ينتهيان به إلى عون الله له - كما كتب على نفسه - وإعراضه عن دلائل الهدى وصده عنها يؤديان به إلى الإنقطاع والضلال . ومن ثم تكون الرحمة ويكون العذاب .
(وإليه تقلبون). .
تعبير عن المآب فيه عنف , يناسب المعنى بعده:
(وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء). .
فليس لكم من قوة في هذا الوجود تمتنعون بها من الانقلاب إلى الله . لا من قوتكم في الأرض , ولا من قوة ما تعبدونه أحيانا من الملائكة والجن وتحسبون له قوة في السماء .
(وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير). .
وأين من دون الله الولي والنصير ? أين الولي والنصير من الناس ? أو من الملائكة والجن ? وكلهم عباد من خلق الله لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا فوق أن يملكوا لسواهم شيئا ?
(والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم). .
ذلك أنه لا ييأس الإنسان من رحمة الله إلا حين يكفر قلبه , وينقطع ما بينه وبين ربه . وكذلك هو لا يكفر إلا وقد يئس من اتصال قلبه بالله , وجفت نداوته , ولم يعد له إلى رحمة الله سبيل . والعاقبة معروفة: (وأولئك لهم عذاب أليم). .
الدرس الرابع 24 - 27 عناد الكفار لدرجة قتل أنبيائهم وطلبهم حرق إبراهيم
وبعد هذا الخطاب المعترض في ثنايا القصة , الذي جاء خطابا لكل منكر لدعوة الإيمان ولقوم إبراهيم ضمنا . . بعد هذا الخطاب يعود لبيان جواب قوم إبراهيم , فيبدو هذا الجواب غربيا عجيبا , ويكشف عن تبجح الكفر والطغيان , بما يملك من قوة ومن سلطان:
(فما كان جواب قومه إلا أن قالوا:اقتلوه أو حرقوه . فأنجاه الله من النار . إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون). .
اقتلوه أو حرقوه . . ردا على تلك الدعوة الواضحة البسيطة المرتبة التي خاطب بها قلوبهم وعقولهم على النحو الذي بينا قيمته في عرض الدعوات .
وإذ أن الطغيان أسفر عن وجهه الكالح ; ولم يكن إبراهيم - عليه السلام - يملك له دفعا , ولا يستطيع منه وقاية . وهو فرد أعزل لا حول له ولا طول . فهنا تتدخل القدرة سافرة كذلك . تتدخل بالمعجزة الخارقة لمألوف البشر:
(فأنجاه الله من النار). .
وكان في نجاته من النار على النحو الخارق الذي تمت به آية لمن تهيأ قلبه للإيمان . ولكن القوم لم يؤمنوا على الرغم من هذه الآية الخارقة , فدل هذا على أن الخوارق لا تهدي القلوب , إنما هوالاستعداد للهدى والإيمان:
إن في ذلك لايات لقوم يؤمنون . .
الآية الأولى هي تلك النجاة من النار . والآية الثانية هي عجز الطغيان عن إيذاء رجل واحد يريد الله له النجاة . والآية الثالثة هي أن الخارقة لا تهدي القلوب الجاحدة ذلك لمن يريد أن يتدبر تاريخ الدعوات , وتصريف القلوب , وعوامل الهدى والضلال .