فيها لوطا . قالوا:نحن أعلم بمن فيها , لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين). . وهذا المشهد . مشهد الملائكة مع إبراهيم . مختصر في هذا الموضع لأنه ليس مقصودا ; قد سبق في قصة إبراهيم أن الله وهب له إسحاق ويعقوب ; وولادة اسحاق هي موضوع البشرى , ومن ثم لم يفصل قصتها هنا لأن الغرض هو إتمام قصة لوط . فذكر أن مرور الملائكة بإبراهيم كان للبشرى . ثم أخبروه بمهمتهم الأولى: إنا مهلكوا أهل هذه القرية . إن أهلها كانوا ظالمين . .
وأدركت إبراهيم رقته ورأفته , فراح يذكر الملائكة أن في هذه القرية لوطا ; وهو صالح وليس بظالم !
وأجابه الرسل بما يطمئنه من ناحيته , ويكشف له عن معرفتهم بمهمتهم وأنهم أولى بهذه المعرفة !
(قالوا:نحن أعلم بمن فيها ; لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين). .
وقد كان هواها مع القوم , تقر جرائمهم وانحرافهم , وهو أمر عجيب .
وينتقل إلى مشهد ثالث . مشهد لوط وقد جاء إليه الملائكة في هيئة فتية صباح ملاح ; وهو يعلم شنشنة قومه , وما ينتظر ضيوفه هؤلاء منهم من سوء لا يملك له دفعا . فضاق صدره وساءه حضورهم إليه , في هذا الظرف العصيب:
(ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا). .
ويختصر هنا هجوم القوم على الضيوف , ومحاورة لوط لهم , وهم في سعار الشذوذ المريض . . ويمضي إلى النهاية الأخيرة . إذ يكشف له الرسل عن حقيقتهم , ويخبرونه بمهمتهم , وهو في هذا الكرب وذلك الضيق:
(وقالوا:لا تخف ولا تحزن . إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين . إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون). .
وترسم هذه الآية مشهد التدمير الذي أصاب القرية وأهلها جميعا - إلا لوطا وأهله المؤمنين - وقد كان هذا التدمير بأمطار وأحجار ملوثة بالطين . ويغلب أنها ظاهرة بركاينة قلبت المدينة وابتلعتها ; وأمطرت عليها هذا المطر الذي يصاحب البراكين .
وما تزال آثار هذا التدمير باقية تحدث عن آيات الله لمن يعقلها ويتدبرها من القرون:
(ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون). .
وكان هذا هو المصير الطبيعي لهذه الشجرة الخبيثة التي فسدت وأنتنت , فلم تعد صالحة للإثمار وللحياة . ولم تعد تصلح إلا للاجتثاث والتحطيم .
الدرس السادس:36 - 37 إشارة إلى قصة مدين
ثم إشارة إلى قصة شعيب ومدين:
(وإلى مدين أخاهم شعيبا , فقال:يا قوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الآخر , ولا تعثوا في الأرض مفسدين . فكذبوه فأخذتهم الرجفة , فأصبحوا في دارهم جاثمين). .
وهي إشارة تبين وحدة الدعوة , ولباب العقيدة: (اعبدوا الله وارجوا اليوم الآخر). وعبادة الله الواحد هي قاعدة العقيدة . ورجاء اليوم الآخر كفيل بتحويلهم عما كانوا يرجونه في هذه الحياة الدنيا من الكسب المادي الحرام بالتطفيف في الكيل والميزان , وغصب المارين بطريقهم للتجارة , وبخس الناس أشياءهم , والإفساد في الأرض , والاستطالة على الخلق .