(فكلا أخذنا بذنبه , فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا , ومنهم من أخذته الصيحة , ومنهم من خسفنا به الأرض , ومنهم من أغرقنا . وما كان الله ليظلمهم , ولكن كانوا أنفسهم يظلمون).
فعاد أخذهم حاصب وهو الريح الصرصر التي تتطاير معها حصباء الأرض فتضربهم وتقتلهم , وثمود أخذتهم الصيحة . وقارون خسف به وبداره الأرض , وفرعون وهامان غرقا في اليم . وذهبوا جميعا مأخوذين بظلمهم . (وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون). .
الدرس العاشر 41 ولاية غير الله والعنكبوت
والآن . وعلى مصارع العتاة البغاة من الكفرة والظلمة والفسقة على مدار القرون . . والآن . وبعد الحديث في مطالع السورة عن الفتنة والابتلاء والإغراء . . الآن يضرب المثل لحقيقة القوى المتصارعة في هذا المجال . . إن هنالك قوة واحدة هي قوة الله . وما عداها من قوة الخلق فهو هزيل واهن , من تعلق به أو احتمى , فهو كالعنكبوت الضعيفة تحتمي ببيت من خيوط واهية . فهي وما تحتمي به سواء:
مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا , وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون . إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شئ وهوالعزيز الحكيم . وتلك الأمثال نضربها للناس , وما يعقلها إلا العالمون . .
إنه تصوير عجيب صادق لحقيقة القوى في هذا الوجود . الحقيقة التي يغفل عنها الناس أحيانا , فيسوء تقديرهم لجميع القيم , ويفسد تصورهم لجميع الارتباطات , وتختل في أيديهم جميع الموازين . ولا يعرفون إلى أين يتوجهون . ماذا يأخذون وماذا يدعون ?
وعندئذ تخدعهم قوة الحكم والسلطان يحسبونها القوة القادرة التي تعمل في هذه الأرض , فيتوجهون إليها بمخاوفهم ورغائبهم , ويخشونها ويفزعون منها , ويترضونها ليكفوا عن أنفسهم أذاها , أو يضمنوا لأنفسهم حماها !
وتخدعهم قوة المال , يحسبونها القوة المسيطرة على أقدار الناس وأقدار الحياة . ويتقدمون إليها في رغب وفي رهب ; ويسعون للحصول عليها ليستطيلوا بها ويتسلطوا على الرقاب كما يحسبون !
وتخدعهم قوة العلم يحسبونها أصل القوة وأصل المال , وأصل سائر القوى التي يصول بها من يملكها ويجول , ويتقدمون إليها خاشعين كأنهم عباد في المحاريب !
وتخدعهم هذه القوى الظاهرة . تخدعهم في أيدي الأفراد وفي أيدي الجماعات وفي أيدي الدول , فيدورون حولها , ويتهافتون عليها , كما يدور الفراش على المصباح , وكما يتهافت الفراش على النار !
وينسون القوة الوحيدة التي تخلق سائر القوى الصغيرة , وتملكها , وتمنحها , وتوجهها , وتسخرها كما تريد , حيثما تريد . وينسون أن الالتجاء إلى تلك القوى سواء كانت في أيدي الأفراد , أو الجماعات , أو الدول . . كالتجاء العنكبوت إلى بيت العنكبوت . . . حشرة ضعيفة رخوة واهنة لا حماية لها من تكوينها الرخو , ولا وقاية لها من بيتها الواهن .
وليس هنالك إلا حماية الله , وإلا حماه , وإلا ركنه القوي الركين .
هذه الحقيقة الضخمة هي التي عني القرآن بتقريرها في نفوس الفئة المؤمنة , فكانت بها أقوى من جميع القوى التي وقفت في طريقها ; وداست بها على كبرياء الجبابرة في الأرض ودكت بها المعاقل والحصون .