لقد استقرت هذه الحقيقة الضخمة في كل نفس , وعمرت كل قلب , واختلطت بالدم , وجرت معه في العروق , ولم تعد كملة تقال باللسان , ولا قضية تحتاج إلى جدل . بل بديهة مستقرة في النفس , لا يجول غيرها في حس ولا خيال .
قوة الله وحدها هي القوة . وولاية الله وحدها هي الولاية . وما عداها فهو واهن ضئيل هزيل ; مهما علا واستطال , ومهما تجبر وطغى , ومهما ملك من وسائل البطش والطغيان والتنكيل .
إنها العنكبوت:وما تملك من القوى ليست سوى خيوط العنكبوت: (وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون).
وإن أصحاب الدعوات الذين يتعرضون للفتنة والأذى , وللإغراء والإغواء . لجديرون أن يقفوا أمام هذه الحقيقة الضخمة ولا ينسوها لحظة , وهم يواجهون القوى المختلفة . هذه تضر بهم وتحاول أن تسحقهم . وهذه تستهويهم وتحاول أن تشتريهم . . وكلها خيوط العنكبوت في حساب الله , وفي حساب العقيدة حين تصح العقيدة , وحين تعرف حقيقة القوى وتحسن التقويم والتقدير .
إن الله يعلم ما يدعون من دونه شيء . .
إنهم يستعينون بأولياء يتخذونهم من دون الله والله يعلم حقيقة هؤلاء الأولياء . وهي الحقيقة التي صورت في المثل السابق . . عنكبوت تحتمي بخيوط العنكبوت !
(وهو العزيز الحكيم). .
هو وحده العزيز القادر الحكيم المدبر لهذا الوجود .
(وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون). .
فلقد اتخذها جماعة من المشركين المغلقي القلوب والعقول مادة للسخرية والتهكم . وقالوا:إن رب محمد يتحدث عن الذباب والعنكبوت . ولم يهز مشاعرهم هذا التصوير العجيب لأنهم لا يعقلون ولا يعلمون: (وما يعقلها إلا العالمون). .
الدرس الحادي عشر:42 خلق الله الكون بالحق
ثم يربط تلك الحقيقة الضخمة التي قدمها بالحق الكبير في تصميم هذا الكون كله على طريقة القرآن في ربط كل حقيقة بذلك الحق الكبير:
(خلق الله السماوات والأرض بالحق . إن في ذلك لآية للمؤمنين). .
وهكذا تجيء هذه الآية عقب قصص الأنبياء , وعقب المثل المصور لحقيقة القوى في الوجود , متناسقة معها مرتبطة بها , بتلك الصلة الملحوظة . صلة الحقائق المتناثرة كلها بالحق الكامن في خلق السماوات والأرض ; والذي قامت به السماوات والأرض , في ذلك النظام الدقيق الذي لا يتخلف ولا يبطئ ولا يختلف ولا يصدم بعضه بعضا , لأنه حق متناسق لا عوج فيه !
(إن في ذلك لآية للمؤمنين). .
الذين تتفتح قلوبهم لآيات الله الكونية المبثوثة في تضاعيف هذا الكون وحناياه , المشهودة في تنسيقه وتنظيمه , المنثورة في جوانبه حيثما امتدت الأبصار . والمؤمنون هم الذين يدركونها , لأنهم مفتوحو البصائر والمشاعر للتلقي والإدراك .