والناس من حولهم في خوف وقلق . وهم يفترون على الله الكذب ويشركون به آلهة مفتراة . ويعدهم على هذا جهنم وفيها مثوى للكافرين . وتختم السورة بوعد من الله أكيد بهداية المجاهدين في الله , يريدون أن يخلصوا إليه , مجتازين العوائق والفتن والمشاق وطول الطريق , وكثرة المعوقين .
الدرس الأول:46 - 52 حقائق حول القرآن ونقض شبهات الكفار حوله
(ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن - إلا الذين ظلموا منهم - وقولوا:آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم , وإلهنا وإلهكم واحد , ونحن له مسلمون). .
إن دعوة الله التي حملها نوح - عليه السلام - والرسل بعده حتى وصلت إلى خاتم النبيين محمد [ ص ] لهي دعوة واحدة من عند إله واحد , ذات هدف واحد , هو رد البشرية الضالة إلى ربها , وهدايتها إلى طريقه , وتربيتها بمنهاجه . وإن المؤمنين بكل رسالة لإخوة للمؤمنين بسائر الرسالات:كلهم أمة واحدة , تعبد إلها واحدا . وإن البشرية في جميع أجيالها لصنفان اثنان:صنف المؤمنين وهم حزب الله . وصنف المشاقين لله وهم حزب الشيطان , بغض النظر عن تطاول الزمان وتباعد المكان . وكل جيل من أجيال المؤمنين هو حلقة في تلك السلسلة الطويلة الممتدة على مدار القرون .
هذه هي الحقيقة الضخمة العظيمة الرفيعة التي يقوم عليها الإسلام ; والتي تقررها هذه الآية من القرآن ; هذه الحقيقة التي ترفع العلاقات بين البشر عن أن تكون مجرد علاقة دم أو نسب , أو جنس , أو وطن . أو تبادل أو تجارة . ترفعها عن هذا كله لتصلها بالله , ممثلة في عقيدة واحدة تذوب فيها الأجناس والألوان ; وتختفي فيها القوميات والأوطان ; ويتلاشى فيها الزمان والمكان . ولا تبقى إلا العروة الوثقى في الخالق الديان .
ومن ثم يكشف المسلمين عن مجادلة أهل الكتاب إلا بالحسنى ; لبيان حكمة مجيء الرسالة الجديدة , والكشف عما بينها وبين الرسالات قبلها من صلة , والإقناع بضرورة الأخذ بالصورة الأخيرة من صور دعوة الله , الموافقة لما قبلها من الدعوات , المكملة لها وفق حكمة الله وعلمه بحاجة البشر . . (إلا الذين ظلموا منهم)فانحرفوا عن التوحيد الذي هو قاعدة العقيدة الباقية ; وأشركوا بالله وأخلوا بمنهجه في الحياة . فهؤلاء لا جدال معهم ولا محاسنة . وهؤلاء هم الذين حاربهم الإسلام عندما قامت له دولة في المدينة .
وإن بعضهم ليفتري على رسول الله [ ص ] أنه حاسن أهل الكتاب وهو في مكة مطارد من المشركين . فلما أن صارت له قوة في المدينة حاربهم , مخالفا كل ما قاله فيهم وهو في مكة ! وهو افتراء ظاهر يشهد هذا النص المكي عليه . فمجادلة أهل الكتاب بالحسنى مقصورة على من لم يظلم منهم , ولم ينحرف عن دين الله . وعن التوحيد الخالص الذي جاءت به جميع الرسالات .
وقولوا:آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم , و إلهنا وإلهكم واحد , ونحن له مسلمون . .
وإذن فلا حاجة إلى الشقاق والنزاع , والجدل والنقاش . وكلهم يؤمنون بإله واحد , والمسلمون يؤمنون بما أنزل إليهم وما أنزل إلى من قبلهم , وهو في صميمه واحد , والمنهج الإلهي متصل الحلقات .
(وكذلك أنزلنا إليك الكتاب . فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به , ومن هؤلاء من يؤمن به , وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون). .
(كذلك). على النهج الواحد المتصل . وعلى السنة الواحدة التي لا تتبدل . وعلى الطريقة التي يوحي بها