(أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم ; إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون). .
وإنه للبطر بنعمة الله ورعايته التي تجل عن الشكر والتقدير . أو لم يكفهم أن يعيشوا مع السماء بهذا القرآن ? وهو يتنزل عليهم , يحدثهم بما في نفوسهم , ويكشف لهم عما حولهم ; ويشعرهم أن عين الله عليهم , وأنه معني بهم حتى ليحدثهم بأمرهم , ويقص عليهم القصص ويعلمهم . وهم هذا الخلق الصغير الضئيل التائه في ملكوت الله الكبير . وهم وأرضهم وشمسهم التي تدور عليها أرضهم . . ذرات تائهة في هذا الفضاء الهائل لا يمسكهن إلا الله . والله بعد ذلك يكرمهم حتى لينزل عليهم كلماته تتلى عليهم . ثم هم لا يكتفون !
(إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون). .
فالذين يؤمنون هم الذين يجدون مس هذه الرحمة في نفوسهم , وهم الذين يتذكرون فضل الله وعظيم منته على البشرية بهذا التنزيل ; ويستشعرون كرمه وهو يدعوهم إلى حضرته وإلى مائدته وهو العلي الكبير . وهم الذين ينفعهم هذا القرآن , لأنه يحيا في قلوبهم , ويفتح لهم عن كنوزه ويمنحهم ذخائره , ويشرق في أرواحهم بالمعرفة والنور .
فأما الذين لا يشعرون بهذا كله , فيطلبون آية يصدقون بها هذا القرآن ! هؤلاء المطموسون الذين لا تتفتح قلوبهم للنور . هؤلاء لا جدوى من المحاولة معهم ; وليترك أمر الفصل بينه وبينهم إلى الله !
قل:كفى بالله بيني وبينكم شهيدا , يعلم ما في السموات والأرض . والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون . .
وشهادة من يعلم ما في السماوات والأرض أعظم شهادة . وهو الذي يعلم أنهم على الباطل: (والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون). .
الخاسرون على الإطلاق . الخاسرون لكل شيء . الخاسرون للدنيا والآخرة . الخاسرون لأنفسهم وللهدى والاستقامة والطمأنينة والحق والنور .
إن الإيمان بالله كسب . كسب في ذاته . والأجر عليه بعد ذلك فضل من الله . إنه طمأنينة في القلب واستقامة على الطريق , وثبات على الأحداث ; وثقة بالسند , واطمئنان للحمى , ويقين بالعاقبة . وإن هذا في ذاته لهو الكسب ; وهو هو الذي يخسره الكافرون . و(أؤلئك هم الخاسرون). .
الدرس الثاني:53 - 55 الرد على استعجال الكفار العذاب
ثم يمضي في الحديث عن أولئك المشركين . عن استعجالهم بالعذاب . وجهنم منهم قريب:
(ويستعجلونك بالعذاب , ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب , وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون . يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين . يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم , ويقول:ذوقوا ما كنتم تعملون). .
ولقد كان المشركون يسمعون النذير , ولا يدركون حكمة الله في إمهالهم إلى حين ; فيستعجلون الرسول [ ص ] بالعذاب على سبيل التحدي . وكثيرا ما يكون إمهال الله استدراجا للظالمين ليزدادوا عتوا وفسادا . أو امتحانا للمؤمنين ليزدادوا إيمانا وثباتا ; وليتخلف عن صفوفهم من لا يطيق الصبر والثبات . أو استبقاء لمن يعلم سبحانه أن فيهم خيرا من أؤلئك المنحرفين حتى يتبين لهم الرشد من الغي فيثوبوا إلى الهدى . أو استخراجا لذرية صالحة من ظهورهم تعبد الله وتنحاز إلى حزبه ولو كان آباؤهم من الضالين . . أو لغير