هذا وذاك من تدبير الله المستور . . ولكن المشركين لم يكونوا يدركون شيئا من حكمة الله وتدبيره , فكانوا يستعجلون بالعذاب على سبيل التحدي . . (ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب). . وهنا يوعدهم الله بمجيء العذاب الذي يستعجلونه . مجيئه في حينه . ولكن حيث لا ينتظرونه ولا يتوقعونه . وحيث يبهتون له ويفاجأون به: (وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون). .
ولقد جاءهم هذا العذاب من بعد في بدر وصدق الله . ورأوا بأعينهم كيف يحق وعد الله . ولم يأخذهم الله بالهلاك الكامل كأخذ المكذبين قبلهم ; كما أنه لم يستجب لهم في إظهار خارقة مادية كي لا يحق عليهم وعده بهلاك من يكذبون بعد الخارقة المادية . لأنه قدر للكثيرين منهم أن يؤمنوا فيما بعد , وأن يكونوا من خيرة جند الإسلام ; وأخرج من ظهورهم من حملوا الراية جيلا بعد جيل , إلى أمد طويل . وكان ذلك كله وفق تدبير الله الذي لا يعلمه إلا الله .
وبعد الوعيد بعذاب الدنيا الذي يأتيهم بغتة وهم لا يشعرون , جعل يكرر استنكاره لاستعجالهم بالعذاب , وجهنم لهم بالمرصاد:
(يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين). .
وعلى طريقة القرآن في التصوير , وفي استحضار المستقبل كأنه مشهود , صور لهم جهنم محيطة بالكافرين . وذلك بالقياس إليهم مستقبل مستور ; ولكنه بالقياس إلى الواقع المكشوف لعلم الله حاضر مشهود . وتصويره على حقيقته المستورة يوقع في الحس رهبة , ويزيد استعجالهم بالعذاب نكارة . فأنى يستعجل من تحيط به جهنم , وتهم أن تطبق عليه وهو غافل مخدوع ?!
ويرسم لهم صورتهم في جهنم هذه المحيطة بهم ; وهم يستعجلون بالعذاب:
(يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم , ويقول:ذوقوا ما كنتم تعملون). .
وهو مشهد مفزع في ذاته , يصاحبه التقريع المخزي والتأنيب المرير: (ذوقوا ما كنتم تعملون). . فهذه نهاية الاستعجال بالعذاب ; والاستخفاف بالنذير .
الدرس الثالث:56 - 60 دعوة المؤمنين إلى الهجرة
ويدع الجاحدين المكذبين المستهترين في مشهد العذاب يغشاهم من فوقهم ومن تحت أرجلهم , ليلتفت إلى المؤمنين , الذين يفتنهم أولئك المكذبون عن دينهم , ويمنعونهم من عبادة ربهم . . يلتفت إليهم يدعوهم إلى الفرار بدينهم , والنجاة بعقيدتهم . في نداء حبيب وفي رعاية سابغة , وفي أسلوب يمس كل أوتار القلوب:
يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة , فإياي فاعبدون . كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون . والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها , نعم أجر العاملين , الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون . وكأي من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم , وهو السميع العليم . .
إن خالق هذه القلوب , الخبير بمداخلها , العليم بخفاياها , العارف بما يهجس فيها , وما يستكن في حناياها . . إن خالق هذه القلوب ليناديها هذا النداء الحبيب:يا عبادي الذين آمنوا:يناديها هكذا وهو يدعوها إلى الهجرة بدينها , لتحس منذ اللحظة الأولى بحقيقتها . بنسبتها إلى ربها وإضافتها إلى مولاها: (يا عبادي). .
هذه هي اللمسة الأولى . واللمسة الثانية: (إن أرضي واسعة). .