الخروج . وقد تركت مكان كل مخافة طمأنينة , ومكان كل قلق ثقة , ومكان كل تعب راحة . وقد هدهدت تلك القلوب وغمرتها بشعور القربى والرعاية والأمان في كنف الله الرحيم المنان . ألا إنه لا يدرك هواجس القلوب هكذا إلا خالق القلوب . ولا يداوي القلوب هكذا إلا الذي يعلم ما في القلوب .
الدرس الرابع:61 - 68 تسجيل تناقض الكفار الفكري والديني
وبعد هذه الجولة مع المؤمنين يرتد السياق إلى التناقض في موقف المشركين وتصوراتهم . فهم يقرون بخلق الله للسماوات والأرض وتسخيره للشمس والقمر وإنزاله الماء من السماء وإحيائه الأرض بعد موتها . وما يتضمنه هذا من بسط الرزق لهم أو تضييقه عليهم . وهم يتوجهون لله وحده بالدعاء عند الخوف . . ثم هم بعد ذلك كله يشركون بالله , ويؤذون من يعبدونه وحده , ويفتنونهم عن عقيدتهم التي لا تناقض فيها ولا اضطراب , وينسون نعمة الله عليهم في تأمينهم في البيت الحرام , وهم يروعون عباده في بيته الحرام:
ولئن سألتهم:من خلق السماوات والأرض , وسخر الشمس والقمر ليقولن:الله . فأنى يؤفكون ? الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له , إن الله بكل شيء عليم . ولئن سألتهم:من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن:الله . قل:الحمد لله , بل أكثرهم لا يعقلون . وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب , وإن الدار الآخرة لهي الحيوان , لو كانوا يعلمون . فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين . فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون , ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون . أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم ? أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون ? ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه ? أليس في جهنم مثوى للكافرين ? . .
وهذه الآيات ترسم صورة لعقيدة العرب إذ ذاك ; وتوحي بأنه كان لها أصل من التوحيد ; ثم وقع فيها الانحراف . ولا عجب في هذا فهم من أبناء إسماعيل بن إبراهيم - عليهما السلام - وقد كانوا بالفعل يعتقدون أنهم على دين إبراهيم , وكانوا يعتزون بعقيدتهم على هذا الأساس ; ولم يكونوا يحفلون كثيرا بالديانة الموسوية أو المسيحية وهما معهم في الجزيرة العربية , اعتزازا منهم بأنهم على دين إبراهيم . غير منتبهين إلى ما صارت إليه عقيدتهم من التناقض والانحراف .
كانوا إذا سئلوا عن خالق السماوات والأرض , ومسخر الشمس والقمر , ومنزل الماء من السماء , ومحيي الأرض بعد موتها بهذا الماء . . يقرون أن صانع هذا كله هو الله . ولكنهم مع هذا يعبدون أصنامهم , أو يعبدون الجن , أو يعبدون الملائكة ; ويجعلونهم شركاء لله في العبادة , وإن لم يجعلوهم شركاء له في الخلق . . هو تناقض عجيب . تناقض يعجب الله منه في هذه الآيات: (فأنى يؤفكون ?)أي كيف يصرفون عن الحق إلى هذا التخليط العجيب ? (بل أكثرهم لا يعقلون)فليس يعقل من يقبل عقله هذا التخليط !
وبين السؤال عن خالق السماوات والأرض ومسخر الشمس والقمر ; والسؤال عن منزل الماء من السماء ومحيي الأرض بعد موتها . يقرر أن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له فيربط سنة الرزق بخلق السماوات والأرض وسائر آثار القدرة والخلق , ويكل هذا إلى علم الله بكل شيء: إن الله بكل شيء عليم . .
والرزق ظاهر الارتباط بدورة الأفلاك , وعلاقتها بالحياة والماء والزرع والإنبات . وبسط الرزق وتضييقه بيد الله ; وفق الأوضاع والظواهر العامة المذكورة في الآيات . فموارد الرزق من ماء ينزل , وأنهار تجري , وزروع تنبت , وحيوان يتكاثر . ومن معادن وفلزات في جوف الأرض , وصيد في البر والبحر . . إلى