نهاية موارد الرزق العامة , تتبع كلها نواميس السماوات والأرض , وتسخير الشمس والقمر تبعية مباشرة ظاهرة . ولو تغيرت تلك النواميس عما هي عليه أدنى تغيير لظهر أثر هذا في الحياة كلها على سطح الأرض ; وفي المخبوء فيها من الثروات الطبيعية الأخرى سواء بسواء . فحتى هذا المخبوء في جوف الأرض ; إنما يتم تكوينه وتخزينه واختلافه من مكان إلى مكان وفق أسباب من طبيعة الأرض ومن مجموعة تأثراتها بالشمس والقمر ! والقرآن يجعل الكون الكبير ومشاهده العظيمة هي برهانه وحجته , وهي مجال النظر والتدبر للحق الذي جاء به . ويقف القلب أمام هذا الكون وقفة المتفكر المتدبر , اليقظ لعجائبه , الشاعر بيد الصانع وقدرته , المدرك لنواميسه الهائلة , بلفتة هادئة يسيرة , لا تحتاج إلى علم شاق عسير , إنما تحتاج إلى حس يقظ وقلب بصير . وكلما جلا آية من آيات الله في الكون وقف أمامها يسبح بحمد الله ويربط القلوب بالله: (قل الحمد لله . بل أكثرهم لا يعقلون !).
وبمناسبة الحديث عن الحياة في الأرض وعن الرزق والبسط فيه والقبض , يضع أمامه الميزان الدقيق للقيم كلها . فإذا الحياة الدنيا بأرزاقها ومتاعها لهو ولعب حين تقاس بالحياة في الدار الآخرة:
(وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب , وإن الدار الآخرة لهي الحيوان , لو كانوا يعلمون). .
فهذه الحياة الدنيا في عمومها ليست إلا لهوا ولعبا حين لا ينظر فيها إلى الآخرة . حين تكون هي الغاية العليا للناس . حين يصبح المتاع فيها هو الغاية من الحياة . فأما الحياة الآخرة فهي الحياة الفائضة بالحيوية . هي(الحيوان)لشدة ما فيها من الحيوية والامتلاء .
والقرآن لا يعني بهذا أن يحض على الزهد في متاع الحياة الدنيا والفرار منه وإلقائه بعيدا . إن هذا ليس روح الإسلام ولا اتجاهه . إنما يعني مراعاة الآخرة في هذا المتاع , والوقوف فيه عند حدود الله . كما يقصد الاستعلاء عليه فلا تصبح النفس أسيرة له , يكلفها ما يكلفها فلا تتأبى عليه ! والمسألة مسألة قيم يزنها بميزانها الصحيح . فهذه قيمة الدنيا وهذه قيمة الآخرة كما ينبغي أن يستشعرها المؤمن ; ثم يسير في متاع الحياة الدنيا على ضوئها , مالكا لحريته معتدلا في نظرته:الدنيا لهو ولعب , والآخرة حياة مليئة بالحياة .
وبعد هذه الوقفة للوزن والتقويم يمضي في عرض ما هم فيه من متناقضات:
(فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين . فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون). .
وهذا كذلك من التناقض والاضطراب . فهم إذا ركبوا في الفلك ; وأصبحوا على وجه اليم كاللعبة تتقاذفها الأمواج ; لم يذكروا إلا الله . ولم يشعروا إلا بقوة واحدة يلجأون إليها هي قوة الله . ووحدوه في مشاعرهم وعلى ألسنتهم سواء ; وأطاعوا فطرتهم التي تحس وحدانية الله: (فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون)ونسوا وحي الفطرة المستقيم ونسوا دعاءهم لله وحده مخلصين له الدين وانحرفوا إلى الشرك بعد الإقرار والتسليم !
وغاية هذا الانحراف أن ينتهي بهم إلى الكفر بما آتاهم الله من النعمة , وما آتاهم من الفطرة , وما آتاهم من البينة ; وأن يتمتعوا متاع الحياة الدنيا المحدود إلى الأجل المقدور . ثم يكون بعد ذلك ما يكون , وهو الشر والسوء .
(ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون). .