(وإلى الجبال كيف نصبت ?). . والجبال عند العربي - بصفة خاصة - ملجأ وملاذ , وأنيس وصاحب , ومشهدها يوحي إلى النفس الإنسانية - بصفة عامة - جلالا واستهوالا . حيث يتضاءل الإنسان إلى جوارها ويستكين , ويخشع للجلال السامق الرزين . والنفس في أحضان الجبل تتجه بطبيعتها إلى الله ; وتشعر أنها إليه أقرب , وتبعد عن واغش الأرض وضجيجها وحقاراتها الصغيرة . ولم يكن عبثا ولا مصادفة أن يتحنث محمد [ ص ] في غار حراء في جبل ثور . وأن يتجه إلى الجبل من يريدون النجوة بأرواحهم فترات من الزمان ! والجبال هنا (كيف نصبت)لأن هذه اللمحة تتفق من الناحية التصويرية مع طبيعة المشهد كما سيجيء .
(وإلى الأرض كيف سطحت ?). . والأرض مسطوحة أمام النظر , ممهدة للحياة والسير والعمل , والناس لم يسطحوها كذلك . فقد سطحت قبل أن يكونوا هم . . أفلا ينظرون إليها ويتدبرون ما وراءها , ويسألون:من سطحها ومهدها هكذا للحياة تمهيدا ?
إن هذه المشاهد لتوحي إلى القلب شيئا . بمجرد النظر الواعي والتأمل الصاحي . وهذا القدر يكفي لاستجاشة الوجدان واستحياء القلب . وتحرك الروح نحو الخالق المبدع لهذه الخلائق .
ونقف وقفة قصيرة أمام جمال التناسق التصويري لمجموعة المشهد الكوني لنرى كيف يخاطب القرآن الوجدان الديني بلغة الجمال الفني , وكيف يعتنقان في حس المؤمن الشاعر بجمال الوجود . .
إن المشهد الكلي يضم مشهد السماء المرفوعة والأرض المبسوطة . وفي هذا المدى المتطاول تبرز الجبال "منصوبة " السنان لا راسية ولا ملقاة , وتبرز الجمال منصوبة السنام . . خطان أفقيان وخطان رأسيان في المشهد الهائل في المساحة الشاسعة . ولكنها لوحة متناسقة الأبعاد والاتجاهات ! على طريقة القرآن في عرض المشاهد , وفي التعبير بالتصوير على وجه الإجمال .
الدرس الثالث:21 - 26 واجب الرسول التذكير وتهديد الكفار بالعذاب
والآن بعد الجولة الأولى في عالم الآخرة , والجولة الثانية في مشاهد الكون المعروضة , يلتفت إلى الرسول [ ص ] يوجهه إلى حدود واجبه وطبيعة وظيفته , ويلمس قلوبهم اللمسة الأخيرة الموقظة:
فذكر إنما أنت مذكر . لست عليهم بمسيطر . إلا من تولى وكفر . فيعذبه الله العذاب الأكبر . إن إلينا إيابهم . ثم إن علينا حسابهم . .
فذكر بها وذاك . ذكرهم بالآخرة وما فيها . وذكرهم بالكون وما فيه . إنما أنت مذكر . هذه وظيفتك على وجه التحديد . وهذا دورك في هذه الدعوة , ليس لك ولا عليك شيء وراءه . عليك أن تذكر . فإنك ميسر لهذا ومكلف إياه .
(لست عليهم بمسيطر). . فأنت لا تملك من أمر قلوبهم شيئا . حتى تقهرها وتقسرها على الإيمان . فالقلوب بين أصابع الرحمن , لا يقدر عليها إنسان .
فأما الجهاد الذي كتب بعد ذلك فلم يكن لحمل الناس على الإيمان . إنما كان لإزالة العقبات من وجه الدعوة لتبلغ إلى الناس . فلا يمنعوا من سماعها . ولا يفتنوا عن دينهم إذا سمعوها . كان إزالة العقبات من طريق التذكير . الدور الوحيد الذي يملكه الرسول .
وهذا الإيحاء بأن ليس للرسول من أمر هذه الدعوة شيء إلا التذكير والبلاغ يتكرر في القرآن لأسباب شتى .