وهو سؤال يوحي بالاستسلام لقدر الله ; والطاعة لأمره بلا توقف ولا تلكؤ . فالتوقف أو التلكؤ لن يدفع ضررا , ولا يؤخر نفعا . وانتحال المعاذير لا يخفى على علم الله . ولا يؤثر في جزائه وفق علمه المحيط . وهو توجيه تربوي في وقته وفي جوه وفي مناسبته على طريقة القرآن . (بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا , وزين ذلك في قلوبكم , وظننتم ظن السوء , وكنتم قوما بورا). .
وهكذا يقفهم عرايا مكشوفين , وجها لوجه أمام ما أضمروا من نية , وما ستروا من تقدير , وما ظنوا بالله من السوء . وقد ظنوا أن الرسول ومن معه من المؤمنين ذاهبون إلى حتفهم , فلا يرجعون إلى أهليهم بالمدينة ; وقالوا:يذهب إلى قوم قد غزوه في عقر داره بالمدينة , وقتلوا أصحابه فيقاتلهم ! - يشيرون إلى أحد والأحزاب - ولم يحسبوا حسابا لرعاية الله وحمايته للصادقين المتجردين من عباده . كما أنهم - بطبيعة تصورهم للأمور وخلو قلوبهم من حرارة العقيدة - لم يقدروا أن الواجب هو الواجب , بغض النظر عن تكاليفه كائنة ما كانت ; وأن طاعة رسول الله [ ص ] يجب أن تكون بدون النظر إلى الربح الظاهري والخسارة الشكلية , فهي واجب مفروض يؤدى دون نظر إلى عاقبة أخرى وراءه .
لقد ظنوا ظنهم , وزين هذا الظن في قلوبهم , حتى لم يروا غيره , ولم يفكروا في سواه . وكان هذا هو ظن السوء بالله , الناشئ من أن قلوبهم بور . وهو تعبير عجيب موح . فالأرض البور ميتة جرداء . وكذلك قلوبهم . وكذلك هم بكل كيانهم . بور . لا حياة ولا خصب ولا إثمار . وما يكون القلب إذ يخلو من حسن الظن بالله ? لأنه انقطع عن الإتصال بروح الله ? يكون بورا . ميتا أجرد نهايته إلى البوار والدمار .
وكذلك يظن الناس بالجماعة المؤمنة . الناس من أمثال أولئك الأعراب المنقطعين عن الله . البور الخالية قلوبهم من الروح والحياة . هكذا يظنون دائما بالجماعة المؤمنة عندما يبدو أن كفة الباطل هي الراجحة , وأن قوى الأرض الظاهرة في جانب أهل الشر والضلال ; وأن المؤمنين قلة في العدد , أو قلة في العدة , أو قلة في المكان والجاه والمال . هكذا يظن الأعراب وأشباههم في كل زمان أن المؤمنين لا ينقلبون إلى أهليهم أبدا إذا هم واجهوا الباطل المنتفش بقوته الظاهرة . ومن ثم يتجنبون المؤمنين حبا للسلامة ; ويتوقعون في كل لحظة أن يستأصلوا وأن تنتهي دعوتهم فيأخذون هم بالأحوط ويبعدون عن طريقهم المحفوف بالمهالك ! ولكن الله يخيب ظن السوء هذا ; ويبدل المواقف والأحوال بمعرفته هو , وبتدبيره هو , وحسب ميزان القوى الحقيقية . الميزان الذي يمسكه الله بيده القوية , فيخفض به قوما ويرفع به آخرين , من حيث لا يعلم المنافقون الظانون بالله ظن السوء في كل مكان وفي كل حين !
إن الميزان هو ميزان الإيمان . ومن ثم يرد الله أولئك الأعراب إليه ; ويقرر القاعدة العامة للجزاء وفق هذا الميزان , مع التلويح لهم برحمة الله القريبة والإيحاء إليهم بالمبادرة إلى اغتنام الفرصة , والتمتع بمغفرة الله ورحمته:
(ومن لم يؤمن بالله ورسوله , فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا . ولله ملك السماوات والأرض , يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء , وكان الله غفورا رحيما). .
لقد كانوا يعتذرون بأموالهم وأهليهم . فما تنفعهم أموالهم وأهلوهم في هذه السعير المعدة لهم إذا لم يؤمنوا بالله ورسوله ? إنهما كفتان فليختاروا هذه أو تلك على يقين . فإن الله الذي يوعدهم هذا الإيعاد , هو مالك السماوات والأرض وحده . فهو الذي يملك المغفرة لمن يشاء , وهو الذي يملك العذاب لمن يشاء .
والله يجزي الناس بأعمالهم ولكن مشيئته مطلقة لا ظل عليها من قيد , وهو يقرر هذه الحقيقة هنا لتستقر