ما عاشوا وهم يرون مصداق هذا الوعد الذي لا يخلف . وهنا يقول لهم:إنه قد عجل لهم هذه . وهذه قد تكون صلح الحديبية - كما روي عن ابن عباس - لتأكيد معنى أنه فتح ومغنم . وهو في حقيقته كذلك كما أسلفنا من قول رسول الله [ ص ] ومن وقائع الحال الناطقة بصدق هذا الاعتبار . كما أنها قد تكون فتح خيبر - كما روي عن مجاهد - باعتبار أنها أقرب غنيمة وقعت بعد الحديبية . والأول أقرب وأرجح . ويمن الله عليهم بأنه كف أيدي الناس عنهم . وقد كف الله عنهم أيدي المشركين من قريش كما كف أيدي سواهم من أعدائهم الذين يتربصون بهم الدوائر . وهم قلة على كل حال , والناس كثرة . ولكنهم وفوا ببيعتهم , ونهضوا بتكاليفهم , فكف الله أيدي الناس عنهم , وأمنهم .
(ولتكون آية للمؤمنين). . هذا الوقعة التي كرهوها في أول الأمر , وثقلت على نفوسهم . فالله ينبئهم أنها ستكون آية لهم , يرون فيها عواقب تدبير الله لهم , وجزاء طاعتهم لرسول الله واستسلامهم . مما يثبت في نفوسهم أنها شيء عظيم , وخير جزيل , ويلقي السكينة في قلوبهم والاطمئنان والرضى واليقين .
(ويهديكم صراطا مستقيما). . جزاء طاعتكم وامتثالكم وصدق سريرتكم . وهكذا يجمع لهم بين المغنم ينالونه , والهداية يرزقونها . فيتم لهم الخير من كل جانب . في الأمر الذي كرهوه واستعظموه . وهكذا يعلمهم أن اختيار الله لهم هو الاختيار ; ويربي قلوبهم على الطاعة المطلقة والامتثال .
كذلك يمن عليهم ويبشرهم بأخرى غير هذه . لم يقدروا عليها بقوتهم , ولكن الله تولاها عنهم بقدرته وتقديره:(وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها , وكان الله على كل شيء قديرا). .
وتختلف الروايات في هذه الأخرى . أهي فتح مكة ? أهي فتح خيبر ? أهي فتوح مملكتي كسرى وقيصر ? أهي فتوح المسلمين التي تلت هذه الوقعة جميعا ?
وأقرب ما يناسب السياق أن تكون هي فتح مكة . بعد صلح الحديبية وبسبب من هذا الصلح . الذي لم يدم سوى عامين , ثم نقضه المشركون , ففتح الله مكة للمسلمين بلا قتال تقريبا . وهي التي استعصت عليهم من قبل , وهاجمتهم في عقر دارهم , وردتهم عام الحديبية . ثم أحاط الله بها , وسلمها لهم بلا قتال - (وكان الله على كل شيء قديرا). . فهذه بشرى ملفوفة في هذا الموضع , لم يحددها لأنها كانت عند نزول هذه الآية غيبا من غيب الله . أشار إليه هذه الإشارة لبث الطمأنينة والرضى والتطلع والاستبشار .
وبمناسبة هذه الإشارة إلى الغنيمة الحاضرة , والغنيمة التي قد أحاط الله بها , وهم في انتظارها , يقرر لهم أنهم منصورون ; وأن الصلح في هذا العام لم يكن لأنهم ضعاف , أو لأن المشركين أقوياء . ولكنه تم لحكمة يريدها . ولو قاتلهم الذين كفروا لهزموا . فتلك سنة الله حيثما التقى المؤمنون والكافرون في موقعة فاصلة:
(ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار , ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا . سنة الله التي قد خلت من قبل , ولن تجد لسنة الله تبديلا). .
وهكذا يربط نصرهم وهزيمة الكفار بسنته الكونية الثابتة التي لا تتبدل . فأية سكينة ? وأية ثقة ? وأي تثبيت يجده أولئك المؤمنون في أنفسهم ; وهم يسمعون من الله أن نصرهم وهزيمة أعدائهم سنة من سننه الجارية في هذا الوجود ?
وهي سنة دائمة لا تتبدل . ولكنها قد تتأخر إلى أجل . ولأسباب قد تتعلق باستواء المؤمنين على طريقهم واستقامتهم الاستقامة التي يعرفها الله لهم . أو تتعلق بتهيئة الجو الذي يولد فيه النصر للمؤمنين والهزيمة للكافرين ,