لتكون له قيمته وأثره . أو لغير هذا وذلك مما يعلمه الله . ولكن السنة لا تتخلف . والله أصدق القائلين: (ولن تجد لسنة الله تبديلا). . . كذلك يمن عليهم بكف أيدي المشركين عنهم , وكف أيديهم عن المشركين من بعد ما أظفرهم على من هاجموهم . مشيرا إلى ذلك الحادث الذي أراد أربعون من المشركين أو أكثر أو أقل أن ينالوا من معسكر المسلمين . فأخذوا وعفا عنهم رسول الله [ ص ]:
(وهو الذي كف أيديهم عنكم , وأيديكم عنهم ببطن مكة . من بعد أن أظفركم عليهم . وكان الله بما تعملون بصيرا). .
وهو حادث وقع , يعرفه السامعون ; والله يذكره لهم في هذا الأسلوب , ليرد كل حركة وكل حادث وقع لهم إلى تدبيره المباشر ; وليوقع في قلوبهم هذا الإحساس المعين بيد الله سبحانه وهي تدبر لهم كل شيء , وتقود خطاهم , كما تقود خواطرهم , ليسلموا أنفسهم كلها لله , بلا تردد ولا تلفت , ويدخلوا بهذا في السلم كافة , بكل مشاعرهم وخواطرهم , واتجاههم ونشاطهم ; موقنين أن الأمر كله لله , وأن الخيرة ما اختاره الله , وأنهم مسيرون بقدره ومشيئته فيما يختارون وفيما يرفضون . وأنه يريد بهم الخير . فإذا استسلموا له تحقق لهم الخير كله من أيسر طريق . وهو بصير بهم , ظاهرهم وخافيهم , فهو يختار لهم عن علم وعن بصر . ولن يضيعهم , ولن يضيع عليهم شيئا يستحقونه: (وكان الله بما تعملون بصيرا). .
الدرس الثالث:25 - 26 حكمة صلح الحديبية والسكينة من الله للمؤمنين
ثم يحدثهم عن خصومهم , من هم في ميزان الله ? وكيف ينظر إلى أعمالهم وصدهم للمؤمنين عن بيته الحرام . وكيف ينظر إليهم هم عكس ما ينظر إلى خصومهم المعتدين:
هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام , والهدي معكوفا أن يبلغ محله , ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم , أن تطأوهم , فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء . لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما . إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية ; فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين , وألزمهم كلمة التقوى , وكانوا أحق بها وأهلها , وكان الله بكل شيء عليما . .
هم في ميزان الله واعتباره , الكافرون حقا , الذين يستحقون هذا الوصف الكريه: (هم الذين كفروا). . يسجله عليهم كأنهم متفردون به , عريقون في النسبة إليه , فهم أكره شيء إلى الله الذي يكره الكفر والكافرين ! كذلك يسجل عليهم فعلهم الكريه الآخر , وهو صدهم للمؤمنين عن المسجد الحرام , وصد الهدي وتركه محبوسا عن الوصول إلى محل ذبحه المشروع:
(وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله). .
وهي كبيرة في الجاهلية وفي الإسلام . كبيرة في الأديان كلها التي يعرفونها في الجزيرة من لدن أبيهم إبراهيم . كريهة في عرفهم وفي عقيدتهم وفي عقيدة المؤمنين . . فلم يكن إذن كف الله للمؤمنين عنهم بقيا عليهم لأن جرمهم صغير . كلا ! إنما كان ذلك لحكمة أخرى يتلطف الله سبحانه فيكشف عنها للمؤمنين:
ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم , أن تطأوهم , فتصيبكم منهم معرة بغير علم . .
فلقد كان هنالك بعض المستضعفين من المسلمين في مكة لم يهاجروا , ولم يعلنوا إسلامهم تقية في وسط المشركين . ولو دارت الحرب , وهاجم المسلمون مكة , وهم لا يعرفون أشخاصهم , فربما وطأوهم وداسوهم وقتلوهم . فيقال:إن المسلمين يقتلون المسلمين ! ويلزمون بدياتهم حين يتبين أنهم قتلوا خطأ وهم مسلمون . .