واقعا مشهودا , وهم بعد في هذه الأرض , يكذبون بلقاء الله , ويتطاولون على مقامه دون توقير , ويقترحون الاقتراحات المستهترة والهول المرعب ينتظرهم هناك والندم الفاجع بعد فوات الأوان . الدرس الثاني:30 - 34 الرد على اعتراض الكفار على القرآن وحكمة تنزيله مفرقا
وبعد هذه الجولة في اليوم العسير يعود بهم إلى الأرض يستعرض موقفهم مع الرسول [ ص ] واعتراضاتهم على طريقة تنزيل القرآن . ثم ينهي هذه الجولة بمشهدهم كذلك يوم الحشر والنشور:
(وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا . وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين , وكفى بربك هاديا ونصيرا . وقال الذين كفروا:لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة . كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا . ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا . الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا). .
لقد هجروا القرآن الذي نزله الله على عبده لينذرهم . ويبصرهم . هجروه فلم يفتحوا له أسماعهم إذ كانوا يتقون أن يجتذبهم فلا يملكون لقلوبهم عنه ردا . وهجروه فلم يتدبروه ليدركوا الحق من خلاله , ويجدوا الهدي على نوره . وهجروه فلم يجعلوه دستور حياتهم , وقد جاء ليكون منهاج حياة يقودها إلى أقوم طريق:
(وقال الرسول:يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا). .
وإن ربه ليعلم ; ولكنه دعاء البث والإنابة , يشهد به ربه على أنه لم يأل جهدا , ولكن قومه لم يستمعوا لهذا القرآن ولم يتدبروه .
فيسليه ربه ويعزيه . فتلك هي السنة الجارية قبله في جميع الرسالات . فلكل نبي أعداء يهجرون الهدى الذي يجيئهم به , ويصدون عن سبيل الله . ولكن الله يهدي رسله إلى طريق النصر على أعدائهم المجرمين:
(وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين . وكفى بربك هاديا ونصيرا). .
ولله الحكمة البالغة . فإن بروز المجرمين لحرب الأنبياء والدعوات يقوي عودها ; ويطبعها بطابع الجد الذي يناسب طبيعتها . وكفاح أصحاب الدعوات للمجرمين الذين يتصدون لها - مهما كلفهم من مشقة وكلف الدعوات من تعويق - هو الذي يميز الدعوات الحقة من الدعاوى الزائفة ; وهو الذي يمحص القائمين عليها , ويطرد الزائفين منهم ; فلا يبقي بجوارها إلا العناصر المؤمنة القوية المتجردة , التي لا تبتغي مغانم قريبة . ولا تريد إلا الدعوة خالصة , تبتغي بها وجه الله تعالى .
ولو كانت الدعوات سهلة ميسورة تسلك طرقا ممهدة مفروشة بالأزهار , ولا يبرز لها في الطريق خصوم ومعارضون , ولا يتعرض لها المكذبون والمعاندون , لسهل على كل إنسان أن يكون صاحب دعوة , ولاختلطت دعوات الحق ودعاوى الباطل , ووقعت البلبلة والفتنة . ولكن بروز الخصوم والأعداء للدعوات , هو الذي يجعل الكفاح لانتصارها حتما مقضيا , ويجعل الآلام والتضحيات لها وقودا . فلا يكافح ويناضل , ويحتمل الآلام والتضحيات إلا أصحاب دعوة الحق الجادون المؤمنون , الذين يؤثرون دعوتهم على الراحة والمتاع , وأعراض الحياة الدنيا . بل على الحياة نفسها حين تقتضيهم دعوتهم أن يستشهدوا في سبيلها . ولا يثبت على الكفاح المرير إلا أصلبهم عودا , وأشدهم إيمانا , وأكثرهم تطلعا إلى ما عند الله واستهانة بما عند الناس . . عندئذ تتميز دعوة الحق من دعاوى الباطل . وعندئذ تمحص الصفوف فيتميز الأقوياء من الضعفاء . وعندئذ تمضي دعوة الحق في طريقها برجالها الذين ثبتوا عليها , واجتازوا امتحانها وبلاءها . أولئك هم الأمناء عليها الذين يحتملون تكاليف النصر وتبعاته . وقد نالوا هذا النصر بثمنه الغالي , وأدوا ضريبته صادقين مؤثرين .