جميعا , لتتوحد الرسالة الأخيرة , فلا تتفرق على ألسنة الرسل في القرى المتفرقة , وأعطاه القرآن ليجاهدهم به:(فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا). .
وإن في هذا القرآن من القوة والسلطان , والتأثير العميق , والجاذبية التي لا تقاوم , ما كان يهز قلوبهم هزا , ويزلزل أرواحهم زلزالا شديدا , فيغالبون أثره بكل وسيلة فلا يستطيعون إلى ذلك سبيلا .
ولقد كان كبراء قريش يقولون للجماهير: (لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون). . وكانت هذه المقالة تدل على الذعر الذي تضطرب به نفوسهم ونفوس أتباعهم من تأثير هذا القرآن ; وهم يرون هؤلاء الأتباع كأنما يسحرون بين عشية وضحاها من تأثير الآية والآيتين , والسورة والسورتين , يتلوهما محمد ابن عبد الله [ ص ] فتنقاد إليه النفوس , وتهوى إليه الأفئدة .
ولم يقل رؤساء قريش لأتباعهم وأشياعهم هذه المقالة , وهم في نجوة من تأثير هذا القرآن . فلولا أنهم أحسوا في أعماقهم هزة روعتهم ما أمروا هذا الأمر , وما أشاعوا في قومهم بهذا التحذير , الذي هو أدل من كل قول على عمق التأثير !
قال ابن إسحاق:حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري أنه حدث:أن أبا سفيان بن حرب , وأبا جهل بن هشام , والأخنس بن شريق بن عمر بن وهب الثقفي حليف بني زهرة . . خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله [ ص ] وهو يصلي من الليل في بيبته . فأخذ كل رجل منهم مجلسا يستمع فيه , وكل لا يعلم بمكان صاحبه , فباتوا يستمعون له , حتى إذا طلع الفجر تفرقوا , فجمعهم الطريق , فتلاوموا , وقال بعضهم لبعض:لا تعودوا , فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئا ! ثم انصرفوا . حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه , فباتوا يستمعون له , حتى إذا طلع الفجر تفرقوا , فجمعهم الطريق , فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة ! ثم انصرفوا . . حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه , فباتوا يستمعون له , حتى إذا طلع الفجر تفرقوا , فجمعهم الطريق , فقال بعضهم لبعض:لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود ! فتعاهدوا على ذلك , ثم تفرقوا .
" فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه . ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته , فقال:أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد . فقال:يا أبا ثعلبة , والله لقد سمعت أشياء أعرفها , وأعرف ما يراد بها ; وسمعت أشياء ما عرفت معناها , ولا ما يراد بها . قال الأخنس:وأنا والذي حلفت به .
" قال:ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل , فدخل عليه بيته , فقال:يا أبا الحكم , ما رأيك فيما سمعت من محمد ? فقال:ماذا سمعت ?! تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف . أطعموا فأطعمنا , وحملوا فحملنا , وأعطوا فأعطينا , حتى إذا تجاثينا على الركب , وكنا كفرسي رهان , قالوا:منا نبي يأتيه الوحي من السماء . فمتى ندرك مثل هذه ? والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه !!
" قال:فقام عنه الأخنس وتركه " .
فهكذا كانوا يغالبون أنفسهم أن تهفو إلى هذا القرآن فتغلبهم , لولا أن يتعاهدوا وهم يحسون ما يتهدد زعامتهم , لو اطلع عليهم الناس , وهم مأخوذون شبه مسحورين !
وإن في القرآن من الحق الفطري البسيط , لما يصل القلب مباشرة بالنبع الأصيل , فيصعب أن يقف لهذا النبع الفوار , وأن يصد عنه تدفق التيار . وأن فيه من مشاهد القيامة , ومن القصص , ومن مشاهد الكون الناطقة , ومن مصارع الغابرين , ومن قوة التشخيص والتمثيل , لما يهز القلوب هزا لا تملك معه قرارا .