بكلمات ينطق بها لسانه ويعتقد بها قلبه . وهذه ميزة الإسلام . ميزته أن ليس هناك كاهن يتقاضى ثمن كهانته , ولا وسيط يقبض ثمن وساطته ; ليس هنالك "رسم دخول" ولا ثمن لتناول سر ولا بركة ولا استقبال ! هذه هي بساطة هذا الدين وبراءته من كل ما يحول بين القلب والإيمان ; ومن كل ما يقف بين العبد وربه من وسطاء وكهان . . ليس هنالك سوى أجر واحد للرسول [ ص ] هو اهتداء المهتدي إلى الله وتقربه إلى ربه بما يراه ! (إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا). . هذا وحده هو أجره . . يرضي قلبه الطاهر ويستريح وجدانه النبيل أن يرى عبدا من عباد الله قد اهتدى إلى ربه , فهو يبتغي رضاه , ويتحرى طريقه , ويتجه إلى مولاه . (وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده). .
وكل ما عدا الله ميت , لأنه صائر إلى موت , فلا يبقى إلا الحي الذي لا يموت . والتوكل على ميت , تفارقه الحياة يوما طال عمره أم قصر , هو ارتكان إلى ركن ينهار , وإلى ظل يزول . إنما التوكل على الحي الدائم الذي لا يزول . . (وسبح بحمده)ولا يحمد إلا الله المنعم الوهاب . . ودع أمر الكفار الذين لا ينفعهم التبشير والإنذار إلى الحي الذي لا يموت فهو يعلم ذنوبهم ولا يخفى عليه منها شيء: وكفى به بذنوب عباده خبيرا .
وفي معرض الخبرة المطلقة والقدرة على الجزاء يذكر خلق الله للسماوات والأرض , واستعلاءه على العرش:
الذي خلق السماوات والأرص وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش , الرحمن , فاسأل به خبيرا . .
وأيام الله التي خلق فيها السماوات والأرض غير أيامنا الأرضية قطعا . فإنما أيامنا هذه ظل للنظام الشمسي , ومقياس لدورة فلكية وجدت بعد خلق السماوات والأرض . وهي مقيسة بقدر دورة الأرض حول نفسها أمام الشمس . والخلق لا يقتضي إلا توجه الإرادة الإلهية المرموز له بلفظة:(كن)فتتم الكينونة(فيكون). ولعل هذه الأيام الستة من أيام الله التي لا يعلم مقدارها إلا هو - إنما تمت فيها أطوار متباعدة في السماوات والأرض حتى انتهت إلى وضعها الحالي . أما الاستواء على العرش فهو معنى الاستعلاء والسيطرة ولفظ(ثم)لا يدل على الترتيب الزمني إنما يدل على بعد الرتبة . رتبة الاستواء والاستعلاء .
ومع الاستعلاء والسيطرة الرحمة الكبيرة الدائمة:(الرحمن). . ومع الرحمة الخبرة: (فاسأل به خبيرا)الخبرة المطلقة التي لا يخفى عليها شيء . فإذا سألت الله , فإنما تسأل خبيرا , لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء .
الدرس الثامن:60 - 62 رفض الكفار السجود للرحمن وتنزيه الله
ومع هذا فإن أولئك المتبجحين المتطاولين , يقابلون الدعوة إلى عبادة الرحمن باستخفاف واستنكار:
(وإذا قيل لهم:اسجدوا للرحمن:قالوا:وما الرحمن ? أنسجد لما تأمرنا ? وزادهم نفورا)!
وهي صورة كريهة من صور الاستهتار والتطاول ; تذكر هنا للتهوين من وقع تطاولهم على الرسول [ ص ] فهم لا يوقرون ربهم , فيتحدثون بهذه اللهجة عن ذاته العلية , فهل يستغرب من هؤلاء أن يقولوا عن الرسول ما قالوا ? وهم ينفرون من اسم الله الكريم , ويزعمون أنهم لا يعرفون اسم(الرحمن)ويسألون عنه بما , زيادة في الاستهتار . (قالوا:وما الرحمن ?). ولقد بلغ من تطاولهم واستخفافهم أن يقولوا:ما نعرف الرحمن إلا ذاك باليمامة . يعنون به مسيلمة الكذاب !