|
في ظلال القرآن
الكريم
القصص من الاية 1 الى الاية 2 طسم (1) تöلْكَ آيَاتُ الْكöتَابö الْمُبöينö (2)
مقدمة القصص هذه السورة مكية , نزلت والمسلمون في مكة قلة مستضعفة , والمشركون هم أصحاب الحول والطول والجاه والسلطان . نزلت تضع الموازين الحقيقية للقوى والقيم , نزلت تقرر أن هناك قوة واحدة في هذا الوجود ,هي قوة الله ; وأن هناك قيمة واحدة في هذا الكون , هي قيمة الإيمان . فمن كانت قوة الله معه فلا خوف عليه , ولو كان مجردا من كل مظاهر القوة , ومن كانت قوة الله عليه فلا أمن له ولا طمأنينة ولو ساندته جميع القوى ; ومن كانت له قيمة الإيمان فله الخير كله , ومن فقد هذه القيمة فليس بنافعه شيء أصلا . ومن ثم يقوم كيان السورة على قصة موسى وفرعون في البدء , وقصة قارون مع قومه - قوم موسى - في الختام . . الأولى تعرض قوة الحكم والسلطان . قوة فرعون الطاغية المتجبر اليقظ الحذر ; وفي مواجهتها موسى طفلا رضيعا لا حول له ولا قوة , ولا ملجأ له ولا وقاية . وقد علا فرعون في الأرض , واتخذ أهلها شيعا , واستضعف بني إسرائيل , يذبح أبناءهم , ويستحيي نساءهم , وهو على حذر منهم , وهو قابض على أعناقهم . ولكن قوة فرعون وجبروته , وحذره ويقظته , لا تغني عنه شيئا ; بل لا تمكن له من موسى الطفل الصغير , المجرد من كل قوة وحيلة , وهو في حراسة القوة الحقيقية الوحيدة ترعاه عين العناية , وتدفع عنه السوء , وتعمي عنه العيون , وتتحدى به فرعون وجنده تحديا سافرا , فتدفع به إلى حجره , وتدخل به عليه عرينه , بل تقتحم به عليه قلب امرأته وهو مكتوف اليدين إزاءه , مكفوف الأذى عنه , يصنع بنفسه لنفسه ما يحذره ويخشاه ! والقصة الثانية تعرض قيمة المال , ومعها قيمة العلم . المال الذي يستخف القوم وقد خرج عليهم قارون في زينته , وهم يعلمون أنه أوتي من المال ما إن مفاتحه لتعيي العصبة من الرجال الأقوياء . والعلم الذي يعتز به قارون , ويحسب أنه بسببه وعن طريقه أوتي ذلك المال . ولكن الذين أوتوا العلم الصحيح من قومه لا تستخفهم خزائنه , ولا تستخفهم زينته ; بل يتطلعون إلى ثواب الله , ويعلمون أنه خير وأبقى . ثم تتدخل يد الله فتخسف به وبداره الأرض , لا يغني عنه ماله ولا يغني عنه علمه ; وتتدخل تدخلا مباشرا سافرا كما تدخلت في أمر فرعون , فألقته في اليم هو وجنوده فكان من المغرقين . لقد بغى فرعون على بني إسرائيل واستطال بجبروت الحكم والسلطان ; ولقد بغى قارون عليهم واستطال بجبروت العلم والمال . وكانت النهاية واحدة , هذا خسف به وبداره , وذلك أخذه اليم هو وجنوده . ولم تكن هنالك قوة تعارضها من قوى الأرض الظاهرة . إنما تدخلت يد القدرة سافرة فوضعت حدا للبغي والفساد , حينما عجز الناس عن الوقوف للبغي والفساد . ودلت هذه وتلك على أنه حين يتمحض الشر ويسفر الفساد ويقف الخير عاجزا والصلاح حسيرا ; ويخشى من الفتنة بالبأس والفتنة بالمال . عندئذ تتدخل يد القدرة سافرة متحدية , بلا ستار من الخلق , ولا سبب من قوى الأرض , لتضع حد للشر والفساد . وبين القصتين يجول السياق مع المشركين جولات يبصرهم فها بدلالة القصص - في سورة القصص - ويفتح أبصارهم على آيات الله المبثوثة في مشاهد الكون تارة , وفي مصارع الغابرين تارة , وفي مشاهد القيامة تارة . . وكلها تؤكد العبر المستفادة من القصص , وتساوقها وتتناسق معها ; وتؤكد سنة الله التي لا تتخلف ولا تتبدل على مدار الزمان . وقد قال المشركون لرسول الله [ ص ]:" إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا " . فاعتذروا عن عدم اتباعهم الهدى بخوفهم من تخطف الناس لهم , لو تحولوا عن عقائدهم القديمة التي من أجلها يخضع الناس لهم , ويعظمون البيت الحرام ويدينون للقائمين عليه . فساق الله إليهم في هذه السورة قصة موسى وفرعون , تبين لهم أين يكون الأمن وأين تكون المخافة ; وتعلمهم أن الأمن إنما يكون في جوار الله , ولو فقدت كل أسباب الأمن الظاهرة التي تعارف عليها الناس ; وأن الخوف إنما يكون في البعد عن ذلك الجوار ولو تظاهرت أسباب الأمن الظاهرة التي تعارف عليها الناس ! وساق لهم قصة قارون تقرر هذه الحقيقة في صورة أخرى وتؤكدها . وعقب على مقالتهم (أو لم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ? ولكن أكثرهم لا يعلمون). . يذكرهم بأنه هو الذي آمنهم من الخوف فهو الذي جعل لهم هذا الحرم الآمن ; وهو الذي يديم عليهم أمنهم , أو يسلبهم إياه ; ومضى ينذرهم عاقبة البطر وعدم الشكر:(وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا , وكنا نحن الوارثين). ويخوفهم عاقبة أمرهم بعد أن أعذر إليهم وأرسل فيهم رسولا . وقد مضت سنة الله من قبل بإهلاك المكذبين بعد مجيء النذير:(وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا , وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون). ثم يعرض عليهم مشهدهم يوم القيامة حين يتخلى عنهم الشركاء على رؤوس الأشهاد ; فيبصرهم بعذاب الآخرة بعد أن حذرهم عذاب الدنيا ; وبعد أن علمهم أين يكون الخوف وأين يكون الأمان . وتنتهي السورة بوعد من الله لرسوله الكريم وهو مخرج من مكة مطارد من المشركين بأن الذي فرض عليه القرآن لينهض بتكاليفه , لا بد راده إلى بلده , ناصره على الشرك وأهله . وقد أنعم عليه بالرسالة ولم يكن يتطلع إليها ; وسينعم عليه بالنصر والعودة إلى البلد الذي أخرجه منه المشركون . سيعود آمنا ظافرا مؤيدا . وفي قصص السورة ما يضمن هذا ويؤكده . فقد عاد موسى - عليه السلام - إلى البلد الذي خرج منه خائفا طريدا . عاد فأخرج معه بني إسرائيل واستنقذهم , وهلك فرعون وجنوده على أيدي موسى وقومه الناجين . . ويختم هذا الوعد ويختم السورة معه بالإيقاع الأخير: (ولا تدع مع الله إلها آخر , لا إله إلا هو , كل شيء هالك إلا وجهه , له الحكم , وإليه ترجعون). هذا هو موضوع السورة وجوها وظلالها العامة , فلنأخذ في تفصيل أشواطها الأربعة:قصة موسى . والتعقيب عليها . وقصة قارون . وهذا الوعد الأخير . . . الدرس الأول:1 - 6 طغيان فرعون وجو ولادة موسى تبدأ السورة بالأحرف المقطعة: طا . سين . ميم . . تلك آيات الكتاب المبين . . تبدأ السورة بهذه الأحرف للتنبيه إلى أنه من مثلها تتألف آيات الكتاب المبين , البعيدة الرتبة , المتباعدة المدى بالقياس لما يتألف عادة من هذه الأحرف , في لغة البشر الفانين: (تلك آيات الكتاب المبين). . التالي
|