أنه من بني إسرائيل . وأنه ناقم على الملك والحاشية , منتصر لقومه المضطهدين . وهذا هو الأنسب لمن في مقام موسى - عليه السلام - فإنه بعيد الاحتمال أن تطيق نفسه البقاء في مستنقع الشر والفساد . . (فوكزه موسى فقضى عليه). .
والوكز الضرب بجمع اليد . والمفهوم من التعبير أنها وكزة واحدة كان فيها حتف القبطي . مما يشي بقوة موسى وفتوته , ويصور كذلك انفعاله وغضبه ; ويعبر عما كان يخالجه من الضيق بفرعون ومن يتصل به .
ولكن يبدو من السياق أنه لم يكن يقصد قتل القبطي , ولم يعمد إلى القضاء عليه . فما كاد يراه جثة هامدة بين يديه حتى استرجع وندم على فعلته , وعزاها إلى الشيطان وغوايته ; فقد كانت من الغضب , والغضب شيطان , أو نفخ من الشيطان:
(قال:هذا من عمل الشيطان . إنه عدو مضل مبين). .
ثم استطرد في فزع مما دفعه إليه الغضب , يعترف بظلمه لنفسه أن حملها هذا الوزر , ويتوجه إلى ربه , طالبا مغفرته وعفوه:
(قال:رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي). .
واستجاب الله إلى ضراعته , وحساسيته , واستغفاره:
(فغفر له . إنه هو الغفور الرحيم). .
وكأنما أحس موسى بقلبه المرهف وحسه المتوفز في حرارة توجهه إلى ربه , أن ربه غفر له . والقلب المؤمن يحس بالاتصال والاستجابة للدعاء , فور الدعاء , حين يصل إرهافه وحساسيته إلى ذلك المستوى ; وحين تصل حرارة توجهه إلى هذا الحد . . وارتعش وجدان موسى - عليه السلام - وهو يستشعر الاستجابة من ربه , فإذا هو يقطع على نفسه عهدا , يعده من الوفاء بشكر النعمة التي أنعمها عليه ربه:
(قال:رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين). .
فهو عهد مطلق ألا يقف في صف المجرمين ظهيرا ومعينا . وهو براءة من الجريمة وأهلها في كل صورة من صورها . حتى ولو كانت اندفاعا تحت تأثير الغيظ , ومرارة الظلم والبغي . ذلك بحق نعمة الله عليه في قبول دعائه ; ثم نعمته في القوة والحكمة والعلم التي آتاه الله من قبل . وهذه الإرتعاشة العنيفة , وقبلها الإندفاع العنيف , تصور لنا شخصية موسى - عليه السلام - شخصية انفعالية , حارة الوجدان , قوية الاندفاع . وسنلتقي بهذه السمة البارزة في هذه الشخصية في مواضع أخرى كثيرة .
بل نحن نلتقي بها في المشهد الثاني في هذه الحلقة مباشرة:
(فأصبح في المدينة خائفا يترقب ; فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه , قال له موسى:إنك لغوي مبين . فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال:يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس ? إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض , وما تريد أن تكون من المصلحين). .
لقد انتهت المعركة الأولى بالقضاء على القبطي , وندم موسى على فعلته , وتوجهه إلى ربه , واستغفاره إياه , ومغفرته له , وعهده على نفسه ألا يكون ظهيرا للمجرمين .
ومر يوم وأصبح في المدينة خائفا من انكشاف أمره , يترقب الافتضاح والأذى . ولفظ(يترقب)يصور