(أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين):وتلقى موسى النداء المباشر . تلقاه وحيدا في ذلك الوادي العميق , في ذلك الليل الساكن . تلقاه يتجاوب به الكون من حوله , وتمتلىء به السماوات والأرضون . تلقاه لا ندري كيف وبأية جارحة وعن أي طريق . تلقاه ملء الكون من حوله , وملء كيانه كله . تلقاه وأطاق تلقيه لأنه صنع على عين الله حتى تهيأ لهذه اللحظة الكبرى .
وسجل ضمير الوجود ذلك النداء العلوي ; وبوركت البقعة التي تجلى عليها ذو الجلال ; و تميز الوادي الذي كرم بهذا التجلي , ووقف موسى في أكرم موقف يلقاه إنسان .
واستطرد النداء العلوي يلقي إلى عبده التكليف:
(وأن ألق عصاك). .
وألقى موسى عصاه إطاعة لأمر مولاه ; ولكن ماذا ? إنها لم تعد عصاه التي صاحبها طويلا , والتي يعرفها معرفة اليقين . إنها حية تدب في سرعة , وتتحرك في خفة , وتتلوى كصغار الحيات وهي حية كبرى:
(فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب). .
إنها المفاجأة التي لم يستعد لها ; مع الطبيعة الانفعالية , التي تأخذها الوهلة الأولى . . (ولى مدبرا ولم يعقب)ولم يفكر في العودة إليها ليتبين ماذا بها ; وليتأمل هذه العجيبة الضخمة . وهذه هي سمة الانفعاليين البارزة تتجلى في موعدها !
ثم يستمع إلى ربه الأعلى:
(يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين). .
إن الخوف والأمن يتعاقبان سريعا على هذه النفس , ويتعاورانها في مراحل حياتها جميعا . إنه جو هذه الحياة من بدئها إلى نهايتها ; وإن هذا الانفعال الدائم لمقصود في تلك النفس , مقدر في هذه الحياة , لأنه الصفحة المقابلة لتبلد بني إسرائيل , ومرودهم على الاستكانة ذلك الأمد الطويل . وهو تدبير القدرة وتقديرها العميق الدقيق .
(أقبل ولا تخف إنك من الآمنين). .
وكيف لا يأمن من تنقل يد القدرة خطاه , ومن ترعاه عين الله ?
(اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء). .
وأطاع موسى الأمر , وأدخل يده في فتحة ثوبه عند صدره ثم أخرجها . فإذا هي المفاجأة الثانية في اللحظة الواحدة . إنها بيضاء لامعة مشعة من غير مرض , وقد عهدها أدماء تضرب إلى السمرة . إنها إشارة إلى إشراق الحق ووضوح الآية ونصاعة الدليل .
وأدركت موسى طبيعته . فإذا هو يرتجف من رهبة الموقف وخوارقه المتتابعة . ومرة أخرى تدركه الرعاية الحانية بتوجيه يرده إلى السكينة . ذلك أن يضم يده على قلبه , فتخفض من دقاته , وتطامن من خفقاته:
(واضمم إليك جناحك من الرهب). .
وكأنما يده جناح يقبضه على صدره , كما يطمئن الطائر فيطبق جناحه . والرفرفة أشبه بالخفقان , والقبض أشبه بالإطمئنان . والتعبير يرسم هذه الصورة على طريقة القرآن .