(أين شركائي الذين كنتم تزعمون ?). .
والله يعلم أن لا وجود اليوم لهؤلاء الشركاء , وأن أتباعهم لا يعلمون عنهم شيئا , ولا يستطيعون إليهم سبيلا . ولكنه الخزي والفضيحة على رؤوس الأشهاد .
ومن ثم لا يجيب المسؤولون عن السؤال , فليس المقصود به هو الجواب ! إنما يحاولون أن يتبرأوا من جريرة إغوائهم لمن وراءهم , وصدهم عن هدى الله , كما كان يفعل كبراء قريش مع الناس خلفهم , فيقولون:
(ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا ; تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون)!
ربنا إننا لم نغوهم قسرا , فما كان لنا من سلطان على قلوبهم ; إنما هم وقعوا في الغواية عن رضى منهم واختيار , كما وقعنا نحن في الغواية دون إجبار . (تبرأنا إليك)من جريمة إغوائهم . (ما كانوا إيانا يعبدون)إنما كانوا يعبدون أصناما وأوثانا وخلقا من خلقك , ولم نجعل أنفسنا لهم آلهة , ولم يتوجهوا إلينا نحن بالعبادة !
عندئذ يعود بهم إلى المخزاة التي حولوا الحديث عنها . مخزاة الشركاء الذين اتخذوهم من دون الله:
(وقيل:ادعوا شركاءكم). .
ادعوهم ولا تهربوا من سيرتهم ! ادعوهم ليلبوكم وينقذوكم ! ادعوهم فهذا يومهم وهذه فائدتهم !
والبائسون يعرفون أن لا جدوى من دعائهم , ولكنهم يطيعون الأمر مقهورين:
(فدعوهم فلم يستجيبوا لهم). .
ولم يكن منتظرا غير ذاك , ولكنه الإذلال والإعنات !
(ورأوا العذاب). .
رأوه في هذا الحوار . ورأوه ماثلا وراءه . فليس وراء هذا الموقف إلا العذاب .
وهنا في اللحظة التي يصل فيها المشهد إلى ذروته يعرض عليهم الهدى الذي يرفضونه , وهو أمنية المتمني في ذلك الموقف المكروب:وهو بين أيديهم في الدنيا لو أنهم إليه يسارعون:
(لو أنهم كانوا يهتدون). .
ثم يعود بهم إلى ذلك المشهد المكروب:
(ويوم يناديهم فيقول , ماذا أجبتم المرسلين ?). .
وإن الله ليعلم ماذا أجابوا المرسلين . ولكنه كذلك سؤال التأنيب والترذيل . وإنهم ليواجهون السؤال بالذهول والصمت ذهول المكروب وصمت الذي لا يجد ما يقول:
(فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون).
والتعبير يلقي ظل العمى على المشهد والحركة . وكأنما الأنباء عمياء لا تصل إليهم , وهم لا يعلمون شيئا عن أي شيء ! ولا يملكون سؤالا ولا جوابا . وهم في ذهولهم صامتون ساكتون !
(فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين). .
وهذه هي الصفحة المقابلة . ففي الوقت الذي يبلغ الكرب ذروته بالمشركين , يتحدث عمن تاب وآمن وعمل صالحا , وما ينتظره من الرجاء في الفلاح . ولمن شاء أن يختار . وفي الوقت فسحة للاختيار !