وهنا يقول:إنه لولا هذه النعمة لنبذه الحوت وهو مذموم . أي مذموم من ربه . . على فعلته . وقلة صبره . وتصرفه في شأن نفسه قبل أن يأذن الله له . ولكن نعمة الله وقته هذا , وقبل الله تسبيحه واعترافه وندمه . وعلم منه ما يستحق عليه النعمة والاجتباء .(فاجتباه ربه فجعله من الصالحين). . هذه هي التجربة التي مر بها صاحب الحوت . يذكر الله بها رسوله محمدا [ ص ] في موقف العنت والتكذيب . بعد ما أخلاه من المعركة كما هي الحقيقة , وأمره بتركها له يتولاها كما يريد . وقتما يريد . وكلفه الصبر لحكم الله وقضائه في تحديد الموعد , وفي مشقات الطريق حتى يحين الموعد المضروب !
إن مشقة الدعوة الحقيقية هي مشقة الصبر لحكم الله , حتى يأتي موعده , في الوقت الذي يريده بحكمته . وفي الطريق مشقات كثيرة . مشقات التكذيب والتعذيب . ومشقات الالتواء والعناد . ومشقات انتفاش الباطل وانتفاخه . ومشقات افتتان الناس بالباطل المزهو المنتصر فيما تراه العيون . ثم مشقات امساك النفس على هذا كله راضية مستقرة مطمئنة إلى وعد الله الحق , لا ترتاب ولا تتردد في قطع الطريق , مهما تكن مشقات الطريق . . وهو جهد ضخم مرهق يحتاج إلى عزم وصبر ومدد من الله وتوفيق . . أما المعركة ذاتها فقد قضى الله فيها , وقدر أنه هو الذي يتولاها , كما قدر أنه يملي ويستدرج لحكمة يراها . كذلك وعد نبيه الكريم , فصدقه الوعد بعد حين .
الدرس العاشر:51 - 52 صورة عن ضخامة حقد الكفار على الرسول ونظراتهم المسمومة له
وفي الختام يرسم مشهدا للكافرين وهم يتلقون الدعوة من الرسول الكريم , في غيظ عنيف , وحسد عميق ينسكب في نظرات مسمومة قاتلة يوجهونها إليه , ويصفها القرآن بما لا يزيد عليه:
(وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر . ويقولون:إنه لمجنون).
فهذه النظرات تكاد تؤثر في أقدام الرسول [ ص ] فتجعلها تزل وتزلق وتفقد توازنها على الأرض وثباتها ! وهو تعبير فائق عما تحمله هذه النظرات من غيظ وحنق وشر وحسد ونقمة وضغن , وحمى وسم . . مصحوبة هذه النظرات المسمومة المحمومة بالسب القبيح , والشتم البذيء , والافتراء الذميم: (ويقولون:إنه لمجنون). .
وهو مشهد تلتقطه الريشة المبدعة وتسجله من مشاهد الدعوة العامة في مكة . فهو لا يكون إلا في حلقة عامة بين كبار المعاندين المجرمين , الذين ينبعث من قلوبهم وفي نظراتهم كل هذا الحقد الذميم المحموم !
يعقب عليه بالقول الفصل الذي ينهي كل قول:
(وما هو إلا ذكر للعالمين).
والذكر لا يقوله مجنون , ولا يحمله مجنون . .
وصدق الله وكذب المفترون . .
ولا بد قبل نهاية الحديث من لفتة إلى كلمة(للعالمين). . هنا والدعوة في مكة تقابل بذلك الجحود , ويقابل رسولها بتلك النظرات المسمومة المحمومة , ويرصد المشركون لحربها كل ما يملكون . . وهي في هذا الوقت المبكر , وفي هذا الضيق المستحكم , تعلن عن عالميتها . كما هي طبيعتها وحقيقتها . فلم تكن هذه الصفة جديدة عليها حين انتصرت في المدينة - كما يدعي المفترون اليوم - إنما كانت صفة مبكرة في أيام مكة الأولى . لأنها